‎+962795617139
info@philosopherman.com
Arabic flag
Arabic
Select a Language
Arabic flag
Arabic
English flag
English
0
ولادات محمود درويش: أو لماذا نخسر معركتنا الحضارية
ولادات محمود درويش: أو لماذا نخسر معركتنا الحضارية

ولادات محمود درويش: أو لماذا نخسر معركتنا الحضارية

قصيدة «لاعب النرد» نموذجًا

مركز الإنسان الفيلسوف
Written by مركز الإنسان الفيلسوف
Published on 8/04/2026
وقت الدراسة 25 Mins.

الحضارة منظورا إليها من خلال قصيدة

ولادات محمود درويش: أو لماذا نخسر معركتنا الحضارية


قصيدة (لاعب النرد) نموذجاً



معاذ بني عامر



تقديم:


يُشكِّل سؤال: لماذا نخسر معركتنا الحضارية؟ سؤالاً مركزياً في هذه الورقة، أجتهدُ في تقديم إجابة عليه من خلال استطلاع عام لولادات الشاعر الفلسطيني "محمود درويش" المختلفة، واستطلاع خاص لقصيدته (لاعب النرد). أو بلغة أخرى، كيف يمكن لولادة "محمود درويش" الشِّعرية، كما تجلَّت في قصيدة (لاعب النرد) أن تُقدِّم لنا رؤية حول سؤال: لماذا نخسر معركتنا الحضارية؟


قبل هذا: هل فعلاً نخوض، أولاً، معركة حضارية، ونخسرها ثانياً؟ حتى يُصبح السؤال السابق سؤالاً مشروعاً.


سأجتهد، مرة أخرى، في الإجابة على هذا السؤال من داخل السياق الذي اشتغلُ عليه في هذه الورقة، وليس من خارجها، أي أنني لن أشرع في تقديم جملة من الحُجج والبراهين والأدلة على هذا السؤال من زوايا فكرية أو سياسية أو اجتماعية أو علمية...إلخ، بل من ولادات محمود درويش ذاتها، لا سيما من ولادته التي تجسدت في قصيدة (لاعب النرد) على نحو مخصوص، بما يجعل من هذه الورقة أكثر فائدة وكشفاً عن الإمكان الذي يمكن أن تنطوي عليه بعض الأعمال الأدبية، والدور الكبير الذي يمكن أن تلعبه في مسيرة المجتمعات البشرية، تأريخاً واستشرافاً.



ولادات "محمود درويش":


بتقديري أنَّ "محمود درويش" وُلد خمس ولادات، سأعمل على تفصيلها آناً، لكني سأركِّز بشكلٍ رئيسي على ولادته الخامسة التي تجسَّدت في قصيدة (لاعب النرد)، نظراً لتعالق هذه الولادة من السِّياق الذي أؤسِّس له في هذه الورقة، والمتعلق بالدور الذي يلعبه الأدب في (تأريخ/ استشراف) النسق الحضاري الجمعي، وانعكاس ذلك كله على الأمة كاملة.


الولادة الأولى: الولادة البيولوجية، وهي ولادة غير واعية بالنسبة للإنسان على الإطلاق، كما للشَّاعر أيضاً، فقد تجسَّدَ فيها كوجودٍ تابع لم يكن طرفاً في اختياره، فتحقَّق في كينونةٍ بيولوجية ليس إلا، دون أن يحمل أي ميزة بإزاء أي كائن آخر في هذا العالَم. فبتاريخ "13/ 3/ 1941، ولد "محمود درويش" في قرية البروة الفلسطينية التي تقع في الجليل شرق ساحل عكا". وهذا بطبيعة الحال، حدث ويحدث وسيحدث للكثيرين، إذ لا ميزة فيه لإنسان على إنسان، فالكل سواسية أمام هذا الحدث البيولوجي.


الولادة الثانية: الولادة الوجدانية، ويمكن تلمُّس سيرورتها بشكلٍ واضح في قصيدة (سجّل أنا عربي)، فصوت الشاعر كان يتقاطع مع صوت الجماهير العربية الغاضبة، المُنفعلة، التي يبتدئ فعلها بالكلام وينتهي بالكلام. وإلى حدٍّ كبير لم يستطع "محمود درويش" أن ينقطع عن هذه الجماهير ويتنكَّر لها أثناء التحقُّق في هذه الولادة، فصوتها، أي صوت هذه الجماهير، أصوات صاخبة وعنيفة وأقوى من صوت الشاعر، ما ساهم في مسح هُويَّة الشَّاعر الذاتية، إلى حدٍّ كبير، فتأخَّر صوته الناعم وتقدَّمت أصوات الجماهير الخشنة. أو بالأحرى كان، في هذه الولادة، يُعبِّر عن الهُويَّة الوجدانية الجمعية، بطريقة سلبت صوته الشِّعري حقَّه بأن يكون صوتاً فردياً منفصلاً عن هذا السياق العام.


الولادة الثالثة: الولادة الآيديولوجية، فالتكوين السياسي أو البيئة السياسية التي تربَّى فيها "محمود درويش" كانت تُشاركه مشروعه الأدبي، أو هيأته ليكون ناطقاً بليغاً باسم مشروعها؛ ما انعكسَ على صوته الشِّعري. فناطقية كلامه التي خرجت من حنجرته تنازعتها رغبة الشاعر –من جهة- بالانعتاق من تربيته السياسية، وخضوعه –من جهة ثانية- لهذه التربية وصوتها الأقرب إلى الآيديولوجيا منه إلى الأدب الصرف، وقد تجلَّى هذه الصراع العميق في قصيدته المميزة: (مديح الظل العالي).


الولادة الرابعة: الولادة التراجيدية، رغم أنه شارف الموت وعاينه في تلك الفترة الحرجة من فترات حياته، إلا أنَّ الشاعر بدأ يعي قيمة ذاته أنطولوجياً، ويعي خطورة عدم انفصال هذه الذَّات عن كينونات الآخرين لحظة الإبداع، حتَّى وهي تُعاني ما تُعاني من آلام شديدة وقوية. فالتأريخ للحظة الإبداع يستلزم انفصالاً كاملاً عن الذوات الأخرى، حتى يترك المُبدع أثراً لا يمكن لغيره أن يأتيه، وقد تجلَّى هذا الانفصال في قصيدته الفارقة: (الجدارية).


الولادة الخامسة: الولادة المعرفية، وفيها عمد "محمود دوريش" إلى عمل مراجعة معرفية، وإنْ تمَّ تأريخها شعرياً، شاملة لمواضعات الإنسان العربي الحديث، والموقع الذي يتبأوه اليوم في العالَم. وهذا ما سيكون عليه تركيزي في هذه الورقة، إذ سأتحدث، كما أشرتُ آنفاً، عن ولادته المعرفية كما تجلَّت في قصيدة (لاعب النرد).


وللتأسيس بشكلٍ منهجي لولادته الخامسة أو ولادته المعرفية، سأتحدث بداية عن ولادته الرابعة أو ولادته التراجيدية التي تجلَّت في قصيدة (الجدارية)؛ لما للولادتين من علاقة عضوية مع بعضهما البعض. أعني تلك الولادة بما هي كينونة فردية في (الجدارية)، وكينونة جمعية حضارية في (لاعب النرد). ففي (الجدارية) كان محمود درويش قد تعاظم أنطولوجياً رغم الهشاشة الجسدية التي عاينها على المستوى الفردي في القصيدة إياها، أو بالأحرى بدأ يعي ذاته بما هي ذات منفصلة عن الجماعة، رغم حالة الألم الشديد التي ألمَّت به. وقد شكَّل هذا التعاظم بداية أو باكورة لإعادة التفكير، سيتجلّى في لاعب النرد، في نسقه الهُويَّاتي كاملاً بأبعاده المختلفة، وفهم ما هو عليه حقيقة ليس في الواقع المعيش فحسب، بل وفي العقل الجمعي أيضاً.


في قصيدة (الجدارية) حدث انقطاع إبيستمولوجي بين "محمود درويش" والجماعة التي ينتمي، وفي الوقت عينه حدث اتصَّال بينه وبين ذاته الشِّعرية، أي بما هو شاعر أساساً، ولا يمكن لوجوده العياني أن يتجلَّى في الزمن والمكان إلا باستنطاق العالَم شعرياً، حتَّى وإنْ لم يرق هذا الشعر للجماعة التي ينتمي إليها. فذاته قبل الجدارية كانت في مواضعاتها الشعرية مرهونة، حتى ولو عند حدودٍ دنيا، للغير أو مُتعالقة معها بشكل عضوي. إلا أن تجربة المرض الشديد التي مرَّ بها الشاعر جعلته ينتبه إلى ذاته بصفتها حالة أنطولوجية، أي ينبغي النظر إليها كما لو كانت كُلاً مُتكاملاً في العالَم، وأيّ تهدُّم أو انهيار في معمارها هو تهدّم وانهيار في معمار العالَم. فالمُكوِّنات: البيولوجية والوجدانية والآيديولوجية والقومية لم تعد تُشغل بال "محمود درويش" وهو يُطارح الموت ويطرحه المرض في السرير. بل كان ثمة وعي شفيف وعميق بذاته الوجودية، التي تتقاطع مع كل المُكوِّنات السابقة في تشكيل البُعدين: المعرفي والجغرافي، لكنها تنقطع عنهما لحظة الإبداع كما صيغت في (الجدارية). فالشاعر لا ينتبه إلا لذاته بما هي ذات على حافة الحياة وتُلامس مُكوّنها الأنطولوجي العميق في تلك اللحظات الحرجة، بعد أن أهملها، شعرياً، لسنوات طويلة من حياته لصالح حيوات جمعية جاهزة وناجزة في المجال العام.


" هل قُلْتَ لي شيئاً يُغيِّر لي سبيلي؟


لم أَقُلْ. كانت حياتي خارجي


أنا مَنْ يُحدِّثُ نفسه:


وَقَعَتْ مُعَلَّقتي الأخيرة عن نخيلي


وأنا المُسَافِرُ داخلي


وأَنا المُحَاصَرُ بالثنائيات،


لكنَّ الحياة جديرةٌ بغموضها


وبطائرِ الدوريِّ


لم أولد لأعرف أنني سأموت، بل لأُحبَّ محتويات ظلّ اللهِ


يأخُذُني الجمالُ إلى الجميلِ


وأُحبُّ حُبَّك، هكذا متحرراً من ذاتِهِ وصفاته


وأنا بديلي


أنا من يُحدِّث نفسه:


مٍنْ أَصغر الأشياء تُولَدُ أكبرُ الأفكار


والإيقاع لا يأتي من الكلمات،


بل مِنْ وحدة الجسدين


في ليل طويل


أنا من يحدِّثُ نفسه


ويروِّضُ الذكرى... أَأَنتِ أنا؟


وثالثنا يرفرف بيننا "لا تنسياني دائماً"


يا مَوْتَنا! خُذْنَا إليكَ على طريقتنا، فقد نتعلَّم الإشراق


لا شمسٌ ولا قمرٌ عليَّ


تركتُ ظلِّي عالقاً بغصون عَوسجةٍ


فخفَّ بي المكان


وطار بي روحي الشرود"


وسيكون لهذا التأمُّل الثرّ والمُركَّز الدور الحاسم في التعامل مع الذات العربية، في وقت لاحق، كذاتٍ أنطولوجية سعى محمود درويش إلى تفكيكها في (لاعب النرد) كما فكَّك ذاته الفردية في (الجدارية). بما يمكن أن يُصنِّف قصيدة (الجدارية) كمقدمةٍ أفضت لاحقاً إلى (لاعب النرد). فالمشروع الهُوياتي الذي انفصل عنه درويش لأول مرة في (الجدارية) سيعمل على تفكيكه، بعد أن استعاد عافيته الجسدية، وبلغ مبلغاً متقدماً عقلياً، في (لاعب النرد). فالذَّات الفردية الهشَّة على المستوى الجسدي في (الجدراية)، ستفتح الطريق أمام درويش لمُعاينة الهشاشة الروحية الجمعية وتأريخ تلك الهشاشة في (لاعب النرد). ففي (الجدارية) فكَّك درويش جسده قطعة قطعة، وتعالقات هذا الجسد مع القوة المعرفية التي كان درويش قد وصل إليها بعد جهد كبير. وفي (لاعب النرد) فكَّك درويش جسد الأمة العربية قطعة قطعة، وتعالقات هذا الجسد مع الرُّوح الحضارية الناظمة لذلك الجسد، ما أرَّخ لولادته ولادة معرفية في (لاعب النرد).


لكن السؤال المطروح ها هنا هو: كيف أثرَّت ولادة درويش الفردية في قصيدة (الجدارية) على تفكيكه للذات العربية الكُليَّة ونثر محتوياتها في العراء في قصيدة (لاعب النرد)؟


في ولادات درويش سالفة الذكر: 1- البيولوجية. 2- الوجدانية. 3- الآيديولوجية، لم تكن ذاته الفردية قد تحقَّقت أنطولوجياً إلا في كينونةٍ جمعية، أي لم يتسنى له التفكير بذاته كنصٍّ مُتخَارِج عن النصوص التي سبقته، فكان صوته الشِّعري إلى حدٍّ كبير صوتٌ غيري، فهو امتداد بمعنى أو بآخر للمقولة العربية القديمة (شاعر القبيلة). فهو إذ ينطق فإنَّ نطقه لا يُعبِّر عن ذاته كذاتٍ مولودةٍ على مستوى الوعي كشخصية اعتبارية تتمظهر في الشِّعر، بقدر تعبيره عن ذاته الجمعية التي شكلّت معالمه البيولوجية والوجدانية والآيديولوجية، وتتشابه مع غيرها من الذوات في هذه المكوّنات التأسيسية. لكن مع (الجدارية) حدث قطع إبيستمولوجي مع أنواته السابقة، وهذا شرط أساسي وضروري للتعبير عن الذات أنطولوجياً. فأول تعبير لدرويش عن ذاته بصفتها ذاتاً واعية بقيمةِ وجودها في العالَم –بعيداً عن الآخرين وهُوياتهم الجامعة- كان في (الجدارية). إذ يمكن اعتبار تلك اللحظة هي لحظة ميلاده الحقيقي في هذا العالَم، إذ تحوَّلَ من ذاتٍ مفعول بها بيولوجياً/ وجدانياً/ آيديولوجياً، إلى ذاتٍ فاعلة في الوجود. أو بمعنى آخر قفز قفزة هائلة على المستوى الإبيستمولوجي، من كونه شاعراً يُعبِّرُ عن وجود الآخرين أكثر من تعبيره عن وجوده الشخصي؛ إذ بدأ يتحقَّق وجودياً على المستوى الفردي، ومع هذا التحقُّق لن يعود النظر إلى العالَم نظراً بـ (المعيَّة) بل نظراً أصيلاً. فقد تمَّت الإطاحة بفكرة الأب التي أنتجت "محمود درويش" مرحلة ما قبل الجدارية، ومنذ تلك اللحظة الفارقة تخارج درويش عن والده الجمعي، وأصبح يُفكّر كفردٍ مُستقل له هُويّته الأنطولوجيَّة الخاصة. وعليه، فقد كانت مقاربته للذات العربية كما تجسدت في (لاعب النرد) ليست حالة اتصالية كما هي في ولاداته الأولى، بل هي مقاربة انفصالية بالأحرى، أو مُتخارجة عن ذاته الجمعية. فدرويش إذ يُفكِّر بالذات الجمعية هذه المرة فهو لا يفكر بها كجزءٍ من تكوينه الهويَّاتي، بل كجزءٍ من سيرورته المعرفية بالأحرى. أي أنه يُقاربها في نصِّه الشِّعري كحالةٍ معرفية بحاجةٍ إلى تفكيك من ذاتٍ تُفكِّر تفكيراً حرَّاً، وليس بصفتها تضغط عليه ضغطاً قسرياً لينطق بمكنونها، كما كانت تضغط عليه ولاداته التي سبقت (الجدارية).


إذاً، كان درويش قد انقطع عن ولاداته السابقة واتصّل بذاته في (الجدارية)، لكنه عاود الاتصال بذاته الجمعية مرة أخرى في (لاعب النرد)، لكنه لم يكن اتصّالاً هوياتيَّاً، بقدر ما كان اتصالاً معرفياً بالأحرى. أي أنَّ السؤال المعرفي سبق الهاجس الهُويَّاتي لحظة التأريخ للذات الجمعية، بما يجعل من مقاربته مقاربةً أكثر رصانةً وعقلانية، حتى وهو يُثبتّها في نصٍّ شِعري مُضادّ في معنى من معانيه لما هو رصين وعقلاني.


لكن قبل أن نشرع في تفكيك (لاعب النرد) إلى وحدات صغيرة، عليَّ أنْ أشير ابتداء إلى أن "محمود درويش" هو أحد النتاجات المعرفية المميزة لآخر قرنين معرفيين عربيين. فالحراك المعرفي الذي بدأ بواكير القرن التاسع عشر تجلَّى تجليات مختلفة ومتعددة في الثقافة العربية الحديثة، وبرزت أسماء واضحة في هذه المسيرة، قدمت ما لديها من رؤى ومعارف وتصورات في سبيل إنقاذ العالَم العربي من حالة التردِّي التي وصل إليها، بعد ما يقارب الألف عام من العطالة الحضارية، أمثال: إبراهيم اليازجي، ورفاعة الطهطاوي، وشبلي شميل، وأبو خليل القباني، وعبد الرحمن الكواكبي، ومحمد عبده، وجبران خليل جبران، وسليمان البستاني، وطه حسين، وعلي عبد الرزاق، وتوفيق الحكيم، وإسماعيل أدهم، وعرار، وبدر شاكر السياب، وأدونيس، وصادق جلال العظم، ومحمد عابد الجابري، وجورج طرابيشي، وطيب تيزيني، وميخائيل نعيمة، ونجيب محفوظ، وسليمان بشير، وسحبان خليفات، وعبد الله العروي، وفهمي جدعان، وفتحي المسكيني، وعبد الجواد ياسين، وعبد المجيد الشرفي، وغيرهم الكثير الكثير، الذين شكلوا علامات مميزة في مسيرة الوعي العربي الحديث. لكن الاسم الذي يهمنا في هذا المقام، هو الشاعر الفلسطيني "محمود درويش" الذي ساهم في مسيرة الوعي العربي الحديث بشعره، تحديداً في قصيدته (لاعب النرد) التي نتناولها بحثاً ودرساً ها هنا. ولكي نفهم سياقات هذه القصيدة، أشيرُ إلى أنَّ ولادات درويش الفردية التي أشرتُ إليها آنفاً، مُتعالقة بشكلٍ حاسم مع الظرف العربي، والظرف الفلسطيني جزء من الظرف العربي، بتجلياته المختلفة، فإلى حدٍّ كبير بقي درويش ضمن هذا الظرف في ولاداته الثلاث الأولى، لكنه مع الولادة الرَّابعة في (الجدارية) بدأ يعي ذاته كذاتٍ تروم أن تعيش فرادتها الوجودية وتُجسِّد شخصيتها الاعتبارية في العالَم كما تُريد هي، لا كما يُرادُ لها، ما منحه قوة كبيرة على وضع ولاداته السابقة، وهي بالضرورة ولادات الإنسان العربي الحديث، ضمن سياق قابل للنقد المعرفي، تمظهر في (لاعب النرد).


فالحالة العربية التي أنتجت شرارات مختلفة فيما يتعلق بسيرورة النهضة، كانت تعاني الأمرَّين على المستوى الجمعي. فبعد انتهاء الاحتلال العثماني الذي استمر لقرونٍ طويلة ومُظلمة، دخل العالم العربي في احتلالات أخرى، إلى أن وصل الأمر إلى نكبة فلسطين في العام 1948 وما رافقها من تهجير قسري ومأساوي للفلسطينيين، ثم تلتها النكسة في العام 1967 بخسارات كبرى وعمليات تهجير أخرى، وغيرها من الأحداث التي ساهمت في صياغة ولادات محمود درويش بيولوجياً ووجدانياً وآيديولوجياً. فالقصائد الأولى كانت تُعبِّر بشكلٍ واضح وصريح عن تكويناته غير الواعية التي فرضت سيطرتها على حالة الوعي عنده، وعلى الامة العربية كاملة بشكلٍ عام. لكن مع (الجدارية) حدث خرق في منظومات الولادة الخاصة بدرويش، فاللاوعي الجمعي لم يعد يرسم معالم وعيه الشِّعري، بل تفرَّد صوته وتخارج مع ما هو غيري، أيَّ أن كينونته الأنطولوجية بدأت تتحقّق، بفعل وعيٍ معرفي متقدم، خارج السياق الجمعي. لكن مع (لاعب النرد) كان ثمة عودة لما هو جمعي لكن من خارجه هذه المرة، عكس ما حدث معه في ولاداته الأولى إذ كان نُطقه داخلي. فمعها وفيها بدأ محمود درويش يُفكّر بالحالة العربية كـ (موضوع) معرفي على المستوى الشِّعري؛ فالتداخل مع الكينونة الجمعية ليس تداخلاً تواصلياً لحظة التفكير به، بل هو تداخل انقطاعي ليتم وصله لحظة الكتابة والتأريخ له.


بلغة أخرى، في (لاعب النرد) حدث اتصال مع الذات الجمعية لحظة الكتابة، لكن لم يكن لهذا الاتصال أنْ يتم لولا حدوث الانقطاع عنه لحظة التفكير به. فمقاربة أي قضية مقاربة معرفية وازنة ينبغي عليها أن تتم وفقاً لحدثي (الاتصال/ الانقطاع): الاتصال لحظة الكتابة لكي يخرج النص نصاً إبداعياً يؤشِّر على شخصية صاحبه بشكلٍ واضح وصريح؛ والانقطاع لحظة التفكير به، لكي يستطيع المُبدع مُعاينته معاينة معرفية بعيداً عن أي استحقاقات عاطفية. فالانقطاع من الأهمية بمكان لأي مشروع معرفي، حتى لا يطغى الهاجس الهوياتي على السؤال المعرفي، كما حدث مع محمود درويش في ولاداته الأولى. ولهذا، نحن أمام قصيدة أعادت التفكير بالمشروع الهوياتي العربي عبر أطروحةٍ معرفية ستتم صياغتها هذه المرة على هيئة قصيدة شعرية موسومة بـ (لاعب النرد).


السؤال الآن: أين وصل هذا المشروع كما تمثّله "محمود درويش" في لاعب النرد؟ وأين (يتصّل/ ينقطع) مع الشرارات التي أضاءت شعلة مشروع النهضة العربي؟ لنُعاين القصيدة لكي نكتشف ذلك.


جاءت الجملة الأولى في قصيدة (لاعب النرد) كجُملةٍ صادمة: "مَنْ أنا لأقول لكم، ما أقول لكم"؛ وإذا دمجناها بالجملة الأخيرة منها: "مَنْ أنا لأخيِّب ظنَّ العدمْ؟ مَنْ أنا؟ مَنْ أنا؟" يمكن التأشير بقوة على الحسِّ المأساوي الذي طال القصيدة عن حَدَّيها: الأول والأخير؛ فسؤال الكينونة يتصدر مشهدية القصيدة:


"مَنْ أنا لأقول لكم


ما أقول لكم؟"


لكنه يتخذ طابعاً انتحارياً في نهاية القصيدة:


"مَنْ أنا لأخيِّب ظنَّ العدمْ؟


مَنْ أنا؟ مَنْ أنا؟"


بين البداية والنهاية، يُعْمِلُ "محمود درويش" مبضعه الشِّعري في جسد تكوينه الهُويَّاتي على المستوى الجمعي، وينثر محتوياته في العراء؛ كما كان قد أعْمَلَ مبضعه في جسد تكوينه الهُويَّاتي على المستوى الفردي ونثر محتوياته في العراء، أيضاً، في قصيدة (الجدارية).


فالصيغة المبدئية التي ابتدأ بها الشاعر قصيدته كانت صيغة تساؤلية: "مَنْ أنا؟"، ثم تحوّلت إلى صيغة استنكارية في الخاتمة: "مَنْ أنا لأخيِّب ظنَّ العدم؟" وبين (الاستفهام) و(الاستنكار) ستنحى الأمور منحى استقصائياً في متن القصيدة.


يتساءل درويش في بداية قصيدته: "مَنْ أنا لأقول لكم ما أقولُ لكم؟" وبعد أن ينفي كينونته كعنصرٍ فاعلٍ من عناصر الكون، يصدح بتعريف صريح لماهوية هذه الكينونة:


"أنا لاعب النرد ،


أربح حيناً وأخسر حيناً


أنا مثلكم


أو أقلُّ قليلاً"


فهي ذاتٌ مُقامِرةٌ ابتداءً، أيّ أنَّ وجودها مقترنٌ بالحظ والصدفة العشوائية، وليس قائماً على البناء والتخطيط المُنظَّم. وليس للشاعر من حظٍّ وسط هذه المقامرة الجماعية الكبيرة إلا أن يكون مُؤرِّخاً بارعاً لربحها أو خسارتها. وهي إذ تخسر أو تربح، وفقاً لمبدأ الحظِّ أو الصدفة، فإنَّ ربحها أو خسارتها محض صدفة ليس إلا؛ فالشرط الأساسي الذي أوجدها في هذا العالَم هو شرط الصدفة أصلاً:


"ولدتُ بلا زَفّةٍ وبلا قابلةْ


وسُميتُ باسمي مُصَادَفَةً


وانتميتُ إلى عائلة


مصادفة،


وورثتُ ملامحها والصفات


وأمراضها:


أولاً – خللا في شرايينها


وضغط دمٍ مرتفع


ثانياً – خجلاً في مخاطبة الأم والأب


والجدَّةِ – الشجرة


ثالثاً – أملاً في الشفاء من الانفلونزا


بفنجان بابونج ساخنٍ


رابعاً – كسلاً في الحديث عن الظبي والقُبَّرة


خامساً – مللاً في ليالي الشتاء


سادساً – فشلاً فادحاً في الغناء"


الصدفة ها هنا لوغرتمية مُرعبة تُدخل كينونة الشاعر –بصفتها كينونة إنابية عن الذات العربية الكُليّة- في مأزق وجودي كبير. فالفعل الجنسي بين الأم والأب، بما هو فعل تأسيسي في الحياة، هو فعل غير مُخطّط له:


"كان يمكن أن لا أكون


كان يمكن أن لا يكون أبي


قد تزوَّج أُمي مصادفةً"


بل كان وجوده محض نزوة عابرة أفرزت ذاتاً لم يكن ثمة نيَّة بالأساس لوجودها، لذا فإنها لا تعرف الدور المنوط بها أصلاً، ما أحال وجودها إلى وجود مُرْهِق مادياً ومعنوياً، وهذا منزع خطير على مسلكية الإنسان والمجتمعات على المستوى الحضاري. فالحضارة لا تُبنى على الصدفة والوجود العرضي، بقدر ما تُبنى على الرؤى والمُخطَّطات الواضحة من جهة، وبعيدة المدى من جهة ثانية. وهذا ما أكَّد الشاعر "محمود درويش" على أنه غير موجود في مجتمعاتنا العربية. فنحن لا نكتفي بوجودنا الطارئ فحسب، بل وبالأحمال والمواريث التي نرثها من الأجيال الطارئة السابقة، فهي تحمل على كاهلها، وفقاً للقصيدة:


إرث بيولوجي مليء بالأمراض التي تنتقل للأولاد من الآباء والأمهات.


"أولاً – خللاً في شرايينها وضغط دم مرتفع"


إرث سيكولوجي مليء بالعُقد في التعامل مع الناس على اختلافهم، فالكائن هاهنا شبه مُتوحِّد ومستوحش.


"ثانياً – خجلاً في مخاطبة الأمِّ والأبد والجدة الشجرة"


إرث ثقافي مليء بالخرافات والخزعبلات، أو بالآراء الـ "ما قبل علمية".


"ثالثاً – أملاً في الشفاء من الانفلونزا بفنجان بابونج ساحن"


إرث حضاري بطيء ومتأخّر عن العالَم بقرون كثيرة.


"رابعاً – كسلاً في الحديث عن الظبي والقُبَّرة"


إرث اجتماعي مليء بالفراغ واللاجدوى.


"مللاً في ليالي الشتاء"


إرث فني مليء بالرصاص والأصوات المُخيفة والمرعبة.


"سادساً – فشلاً فادحاً في الغناء"


يجعل من وجودها، أي الذات العربية، خارج السياق الحضاري بالمرَّة. وشيئاً فشيئاً يُحْكِم "درويش" قبضته المعرفية على عنق الذَّات العربية، ويجعلها تعترف بما آلت إليه من تردٍّ وانهيار عقب كل هذه العطالة الحضارية:


"كانت مصادفةً أن أكون ذكراً


ومصادفة أن أرى قمراً"


...


"كانت مصادفة أن أكون


أنا الحيّ في حادث الباص"


...


"لا دور لي في المزاح مع البحر"


...


"ولا دور لي في النجاة من البحر"


...


"كان يمكن ألا أكون مُصاباً


بجنِّ المُعَلّقة الجاهليّة"


بإزاء هذه الصُّدف المُميتة، يطول أمد الذات العربية وهي على قيد الحياة، ليس للاستمتاع بها أو باستكشاف إمكاناتها، بل لكي تشهد معاناتها ومأساة انحدارها وتقهقرها وسيرها ببطء ناحية هاوية هلاكها:


"ربحتُ مزيداً من الصحو


لا لأكون سعيداً بليلتي المقمرة


بل لكي أشهد المجزرة


نجوتُ مصادفةً: كنتُ أصغر من هدف عسكريّ


وأكبر من نحلة تتنقل بين زهور السياج


وخفتُ كثيراً على إخوتي وأبي


وخفتُ على زمن من زجاج


وخفت على قطتي وعلى أرنبي


وعلى قمر ساحر فوق مئذنة المسجد العالية


وخفت على عنب الدالية


يتدلّى كأثداء كلبتنا"


ثم في مشهد لافت يُؤرِّخ "محمود درويش" لمالآت الصُّدفة التي أنْتَجَتْ هذه الذات المسلوبة، المُحطمَّة، الخائفة، والتائهة:


"ومشى الخوفُ بي ومشيت به


حافياً، ناسياً ذكرياتي الصغيرة عمّا أريدُ


من الغد –لا وقت للغد-


أمشي/ أهرول/ أركضُ/ أصعدُ/ أنزلُ/ أصرخُ/ أنبحُ/ أعوي/ أنادي/ أولولُ/ أسرعُ/ أبطئُ/ أهوي/ أخفُّ/ أجفُّ/ أسير/ أطيرُ/ أرى/ لا أرى/ أتعثَّرُ/ أصفرُّ/ أخضرُّ/ أزرقُّ/ أنشقُّ/ أجهشُ/ أعطشُ/ أتعبُ/ أسغبُ/ أسقطُ/ أنهضُ/ أنسى/ أرى/ لا أرى/ أتذكرُ/ أسمعُ/ أبصرُ/ أهذي/ أُهلوسُ/ أهمسُ/ أصرخُ/ لا استطيعُ/ أئنُّ/ أجنُّ/ أضلّ/ أقِلُّ/ وأكثر/ أسقطُ/ أعلو/ وأهبطُ/ أُدمى/ ويُغمى عليّ"


إذا دققنا في الأفعال السابقة التي صَعَّدَّ بها "محمود درويش" حالة اللاجدوى إلى درجةٍ قصوى، سنجدُ أنَّ السرعة التي تنطوي عليها هذه الأفعال ستجعل منها أفعالاً عاطفية أو غير عقلانية. فالذات الخائفة عادة ما تُفرز هرموناتها بشكل مُتسارع ومُتهوّر، ما يجعل من تصرفاتها تحت عتبة العقل، فغرائزها هي التي تُحرّكها، تحديدًا غريزة البقاء. فثمة مُفترِس يُطارد فريسته ويُريد أن يُطيح بها ويقضي عليها، فلا تجد مفراً من الهروب. وفي رحلة الهروب هذه تتصاعد وتيرة التصرفات غير العقلانية، وهذا شيء مُناف لأي بناء حضاري. فالحضارة لا يمكن لها أنْ تقوم إلا على توازناتٍ عقلية كبيرة، حتى في صيغ الكلام التي تبني أفعالها على المستوى النظري أولاُ. من هنا تبرز الأهمية الكبرى للأفعال، سريعة الإيقاع، التي اختارها "درويش" آنفاً، للتعبير عن حالة الطريدة الخائفة وهي تهيم على وجهها في العالَم، دون رؤية أو خطة أو مسار واضح ومُنتج. فالذات، في القصيدة، تمشي بإزاء الخوف والخوف يمشي إزائها. صيَّاد وطريدته: الخوف صيَّاد ماهر ومحترف والطريدة خائفة وهاربة، لذا تنعدم الرؤية لديها بسبب هذا الخوف المتلاحِق والمُتعاظِم، ولا هم لها إلا النجاة، والبقاء على قيد الحياة، وفقاً لاشتراطات غريزة البقاء ليس إلا. لذا فإنَّ المستقبل، مع ما يتضمنه من رؤى مسبقة لإحكام السيطرة على مسلكياته، غائب تماماً أو ساقط تماماً من حسابات الطريدة. فأبديتها لحظة آنية، وهذه الآنية مُستهلكة بالخوف الشديد، فهي تُريد النجاة من القبضة القوية والشديدة للصيَّاد، لذا تنتابها رغبة عارمة بالهرب، ولا تفكر بشي آخر خارج الهرب. تمشي، تدرج خطوة إثر خطوة إلى أن تستقيم لها الطريق فتأخذ بالهرولة ثم تتصاعد وتيرة الهرمونات بين جنبيها فتزداد سرعتها وتأخذ بالركض، وفي غمرة سُعار ركض الطريدة الخائفة تتحوّل خطواتها إلى خطوات عبثية، فتأخذ بالسير على غير هُدى، فعيون بصيرتها الحضارية مفقوءة، لذا فإنها تتلمّس طريقها وسط ظلام مُخيف. تصعد، ليس لغاية الصعود بل تتحرّك بشكل غريزي فحسب. تنزل، ليس لأنها خطّطت للنزول بل لأنها تسقط في الهاوية. تصرخ، ليس لرغبة في تفريغ ما هو سالب، بل خوفاً من بطش الصيّاد. تنبح، فالكلاب تنبح ساعة تشعر بخطر داهم. تعوي، مثل ذئب جريح. تُنادي، فرقبتها على وشك أن تُدقّ من قبل الصياد. تُولول، مثل ثور مذبوح. تُسرع، ترتفع نسبة الأدرينالين في جسدها الخائف. تُبطئ، ينقطع نفسها من شدَّة اللهاث. تهوي، من شدَّة التعب. تخفُّ، لا وزن لها حضارياً. تجفّ، مات فلاسفتها وعلماؤها. تسير، تعاود الكرَّة حرصاً على بقائها. تطير، فالخوف يُخرجها عن طورها تماماً. ترى، نهايتها وشيكة. لا ترى، تنعدم بصيرتها. تتعثّر، تتلعثم بخطواتها مثل طفل كسيح. تصفرُّ، تُوشك على السقوط. تخضرُّ، تستعيد مجداً قديماً. تزرقُّ، كمن تلقّى ضربة على صدغه. تنشقُّ، الرغبة بانفتاح الأرض وابتعلاعها خوفاً من صيادها المتوحش. تُجهش، بشارات النهاية المأساوية. تعطش، الهلاك من التعب واللهاث. تتعب، الصيّاد لا يترك لها فسحة للراحة. تسغب، فلا موارد لديها لكي لا تجوع. تسقط، لا خيار إلا السقوط من شدّة التعب. تنهض، هرمونات البقاء أو ردَّات فعل ما قبل الموت والهلاك. تركض، مُعاودة الكَرَّة فالروح منزع عظيم لا يمكن خسرانه ببساطة. تنسى، لا خيار أمام البقاء إلا نسيان الموت ولو آناً. ترى، نهايتها الوشيكة. لا ترى، انعدام البصيرة. تتذكّر، أنها على قيد الحياة. تسمع، أصوات الصيّاد الماهر وهو يُطاردها. تُبصر، خطواته وهو يقترب منها. تهذي، وصول الخطر إلى مراكز القوة في الدماغ. تُهلوس، تشوّش الحوّاس لانعدام الإمداد من الدماغ. تهمس، صوت الحياة الأخير. تصرخ، صحوة الموت الكبرى. لا تستطيع، تقعُ في الشَرَك ولا تتمكن من الخروج. تئن، صوت الدمّ وهو يشخب. تجنُّ، الشعور الصادم بالخسارة الفادحة، أو الانتقال من الوعي إلى اللاوعي لاستيعاب الصدمة الكبرى. تضلّ، أي هداية تلك التي تكون على مشارف الهلاك الأخير! تقلُّ، الكثرة والوفرة صنيعة الحضارة، والقِلَّة تقترب بالحضارات من الموت. تكثر، هلوسات الهالكين في اللحظات الأخيرة. تسقط، من علوٍ شاهق، من أعلى العالَم إلى قاع المجتمعات الإنسانية. تعلو، لتشهد حالة الانحطاط إذ تُقارن نفسها بالعلو الحضاري للآخرين. تهبط، لتشهد أنفاسها الأخيرة قبل أن تُوارى الثرى. تُدمى، تُصيبها رصاصة الصيّاد. يُغمى عليها، تغيب غيبتها الكبرى، معرفياً وحضارياً.


وفي استدراك لمآلات حالة الإغلاق التام لما هي عليه الذات العربية، وغياب أي تخطيط مستقبلي، نظراً لانشغالها بلحظتها الآنية بما هي لحظة خوف هائل من الموت والعَدَم، فإنَّ الشاعر يدفع بإمكانات قصيدته ناحية حدود قصوى، ليس على ما هي عليه الآن فحسب، بل وما يمكن أن ينتج عن هذا الآن الفجائعي، فهو يندرج تحت باب الصدفة أيضاً:


"إن القصيدة رميةُ نردٍ


على رُقعةٍ من ظلام


تشعُّ، وقد لا تشعُّ


فيهوي الكلام


كريش على الرمل


لا دورَ لي في القصيدة


غير امتثالي لإيقاعها:


حركات الأحاسيس حسّاً يعدِّل حساً


وحَدساً يُنزِّلُ معنىً


وغيبوبة في صدى الكلمات


وصورة نفسي التي انتقلت


من أناي إلى غيرها


واعتمادي على نَفَسي


وحنيني إلى النبعِ


لا دور لي في القصيدة إلا


إذا انقطع الوحي


والوحيُ حظُّ المهارة إذ تجتهد"


فالشاعر ينثر، بجرأة كبيرة وصادمة وصادقة، محتويات كينونتنا العربية بجميع محتوياتها في العراء، إذ لطالما سُكِتَ عن محتويات النسق الهُويَّاتي أو تُرِكَ دونما مُساءلات معرفية حقيقية. فقد قرَّ، أي ذلك النسق الهوياتي، في أعماقنا كخلاص أنطولوجي أكثر منه خُلاصة إبيستمولوجية. ومع عملية نثر المحتويات التي يشتغل عليها "محمود درويش" في قصيدة (لاعب النرد) تنتشر الروائح الكريهة في مجالنا الحيوي، بسبب العفن الذي حفر عميقاً فينا لقرون طويلة. وهذا بدوره أثَّرَ سلباً على كل شيء في حياتنا، فعلاقتنا بذاوتنا العميقة هي علاقة مشوهة ومُخيفة:


"ولستُ أنا مَنْ أنا الآن إلا


إذا التقتِ الاثنتانِ:


أنا، وأنا الأنثويةُ


يا حُبّ! ما أنت؟ كم أنتَ أنتَ


ولا أنتَ. يا حبّ! هُبَّ علينا


عواصف رعدية كي نصير إلى ما تحبُّ


لنا من حلول السماويّ في الجسديّ"


وعلاقتنا بالحياة ذاتها، من ألفها إلى يائها، مُشوَّهة وناقصة هي الأخرى أيضاً، فالحياة تتقدَّم بخطىً ثابتة وسريعة ناحية التقدم الحضاري، فيما نحن واقفون، وقفة أبدية، في نسق مُغلق، تُسيطر عليه أوهام وهلوسات لذيذة:


"للحياة أقول: على مهلك انتظريني


إلى أن تجفُّ الثُمالةُ في قَدَحي


...


انتظريني لئلا تفرَّ العنادلُ مني فأخطئ في اللحنِ


في الساحة المنشدون يشُّدُّن أوتار آلاتهم


لنشيد الوداع. على مهلك اختصريني


لئلا يطول النشيد، فينقطع النبرُ بين المقاطع


وهي ثنائيةٌ والختام الأحاديّ:


تحيا الحياة!


على رسلك احتضنيني لئلا تبعثرني الريحُ"


وفي استكمال لهذا الموقف الأُمْنِيَاتي، المخيالي من الحياة، يُصعِّد درويش من حدَّةِ المأساة بما هي نسق فاعل في واقع يرفل أهله وينعمون بأوهام وطوباويات مُخدِّرة:


"لولا وقوفي على جبلٍ


لفرحتُ بصومعة النسر: لا ضوء أعلى


ولكن مجداً كهذا المُتوَّجِ بالذهب الأزرق اللانهائيّ


صعبُ الزيارة: يبقى الوحيدُ هناك وحيداً


ولا يستطيع النزول على قدميه


فلا النسر يمشي


ولا البشريُّ يطير


فيا لك من قمّة تشبه الهاوية


أنتِ يا قمة الجبل العالية"


إلى حدٍّ تُصبحُ معه ذروة الوجود هاوية سحيقة، إذ لا قيمة للأُمَّة ولا وزن لها على المستوى الحضاري، فهي محض فائض عن الحاجة بشكل كامل، أو في أحسن التقديرات منفعلة بأفعال الآخرين من جهة ومفعول بها من جهة ثانية. فالذات الكُليّة في تجلياتها الحياتية لا تملك شيئاً من شأنها، لا في زمنها الحالي ولا في أزمانها المستقبلية:


"ليس لي ايُّ دور بما كُنْتُ


أو سأكون"


وفي خضمِّ هذه السلبية المُطْلَقة، يعود درويش شيئاً فشيئاً إلى المُنطلق الذي بدأ منه، أعني عودته إلى سؤال الكينونة الذي طرحه بصيغة استفهامية بداية قصيدته؛ سؤال: "مَنْ أنا؟" وقد تكلّلت هذه العودة باستقصاءٍ عن طبيعة هذه الكينونة في رحلة التقدّم ناحية الأمام، ليصل في النهاية إلى حالة إغلاق أنطولوجي ستفرض عليه أن يُعيد سؤال الكينونة بصيغة استنكارية هذه المرة.


كمُفتتح يمكن تفهُّم سؤال الكينونة: "من أنا؟" بما هو سؤال استفهامي يُرادُ منه البحث عن تقعيدٍ مفاهيمي لمصطلح الذات الكُليّة. فالسؤال في دفقيته الأولى سؤال مشروع من جهة، وضروري من جهة ثانية. مشروعيته تتأتّى من مُنطلق معرفي، وضروريته تتأتّى من مُنطلق حضاري. وباندماج المشروعية والضرورية يمكن التأشير على البُعد الهوياتي لأيِّ كيانٍ يتموقع في الزمن والمكان، شريطة أن تبقى معادلة: 1- المشروعية. 2- الضرورية حاضرة في عمق سؤال الكينونة، حتى لا تتحوَّل هذه الكينونة إلى حالة مُغلقة تُميت غيرها وتموت هي ذاتها.


هذا المستوى تحقّق في باكورة (لاعب النرد)، فـ "مَنْ أنا؟" وضع الكينونة موضع تساؤل، انطلاقاً من صيغتي: 1- المشروعية. 2- الضرورية. ولكي تأخذ هذه الصيغة المزدوجة فاعليتها على المستوى المعرفي، كان لا بُدَّ للشاعر أن ينتقل من صيغة الاستفهام إلى صيغة الاستقصاء لسؤال "مَنْ أنا؟". وفي هذا المستوى من الصياغة اكتشف الشاعر الويلات التي تعاني منها الذات الكُليّة، ابتداءً من الويلات على المستوى البيولوجي وليس انتهاء بالويلات على المستوى الحضاري. فشبكة العلاقات التي تحكم تعاقات الذَّات العربية بميكانيزماتها الداخلية هي شبكة مُتهالكة ومُتآكلة وفي طريقها إلى التلاشي والعَدَم. وشبكة العلاقات التي تحتكم إليها هذه الذات في تعالقاتها مع الآخرين تفتقرُ إلى التوازن الأفقي، نظراً لغياب أيّ نِديّة. لذا يتم اللجوء، كحالةٍ استيعاضية أو كحالة هروبية، إلى الخيال والطوبى والتهويم والتهويل. ومن شدَّة الخراب الذي شهد عليه الشاعر داخل قصيدته، أحال الصيغة الاستفهامية، أولاً، لسؤال: "من أنا؟" والصيغة الاستقصائية له، ثانياً، إلى صيغة استنكارية نهاية المطاف. فصيغة: "مَنْ أنا؟" الاستفهامية لم تعد كافية، مرحلة ما بعد الاستقصاء، لذا ثمة استدعاء لصيغة الاستنكار: "مَنْ أنا لأخيِّب ظنَّ العدم، مَنْ أنا مَنْ أنا؟". فالخراب الهائل في عالَم الشهادة، يستلزم ذهاباً إلى العَدَم. واللحظة التي يُعلن فيها الشاعر عن ولادة الصيغة الاستنكارية ليست لحظة موت حضاري فحسب، بل هي لحظة موت سريري أيضاً:


"ومن حسن حظِّي أني أنام وحيداً


فأصغي إلى جسدي


وأُصدِّقُ موهبتي في اكتشاف الألم


فأنادي الطبيب، قُبيل الوفاة، بعشر دقائق


عشرُ دقائق تكفي لأحيا مُصادفةً


وأخيِّبُ ظنّ العدم


مَنْ أنا لأخيِّب ظنَّ العدم؟


مَنْ أنا؟ مَنْ أنا؟"


لكن السؤال الذي ينبغي طرحه ها هنا هو: هل يتفق هذا الرِّثاء الكبير مع مقتضيات عصر النهضة، التي انطلقت فيها شرارات كثيرة وعديدة، أعادت، ولو بنسبٍ قليلة، الاعتبار الحضاري للذات العربية، بعد أن غابت لمدة تُقارب الألف عام؟ أو بلغة ثانية، أليست قصيدة (لاعب النرد) توصيف بارع، وإنْ كان ذا طابع مأساوي، لما آل إليه العالَم العربي حتى بعد قرنين من عصر من النهضة المنشودة؟ أيمكن الحديث عن مرحلة النهايات لعصر النهضة العربية، إذْ لَمْ يَقُم "محمود درويش" بعمليةِ رثاءٍ من عبثٍ، بل جاء الرِّثاء بعد تقصٍّ لما آلت إليه أوضاع الذات العربية سواء في علاقاتها الداخلية أو في تعالقاتها الخارجية؟


ربما، مع إمكان عدم التحقُّق في إجابة أخيرة وقاطعة، إذ يمكن التأشير على هذا التأريخ المأساوي، وإن كُتب بلغةٍ جميلة وآسرة، على أنه جزء صعب وقاسي من تشخيص المرض بدقةٍ كبيرة، مع التأشير، مرة أخرى، أن تشخيص المرض جزء من علاجه.


الهوامش:

1- موقع مؤسسة محمود درويش على الرَّابط التالي:

https://www.mahmouddarwish.ps/article/645/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%A9

2- لقد اشتهرت قصيدة (بطاقة هوية) لمحمود درويش بمقطع (سجل أنا عربي) أكثر من شهرتها باسمها الأصلي. يمكن مراجعة أوراق الزيتون ضمن الاعمال الكاملة لمحمود درويش بطبعتها الأولى، المجلد الأول، الصادرة عن مؤسسة محمود درويش ودار الناشر، رام الله، فلسطين، والمكتبة الأهلية في عمّان، الأردن، ص 74- 78
3- يمكن مراجعة قصيدة مديح الظل العالي ضمن الأعمال الشعرية الكاملة لمحمود درويش، المرجع السابق، ص ص 715- 776

4- درويش، محمود، جدارية، مؤسسة محمود درويش، الأهلية للنشر والتوزيع، رام الله، عمَّان، ط1، 2013

5- درويش، محمود، لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي، قصيدة لاعب النرد.

6- درويش، محمود، جداريَّة، مرجع سابق،  ص ص 33- 36.

7- سأقترح عدداً من المؤلفات، على سبيل المثال لا الحصر، التي من شأنها إلقاء الضوء على ما اصطُلِحَ عليه بعصر النهضة العربية، منها:

الفكر العربي في عصر النهضة/ ألبرت حوراني. تخليص الإبريز في تلخيص باريز/ رفاعة الطهطاوي. رسالة التوحيد/ محمد عبده. في الأدب الجاهلي/ طه حسين. لماذا أنا ملحد/ إسماعيل أدهم. الشخصية المحمدية/ معروف الرصافي. الله/ عباس محمود العقاد [هذا الكتاب في جوهره تلخيص لكتاب رسالة في الدين الطبيعي لديفيد هيوم]. نقد الفكر الديني/ صادق جلال العظم. أزلاد حارتنا/ نجيب محفوظ. من العقيدة إلى الثورة/ حسن حنفي. بيان في النهضة والتنوير العربي/ طيب تيزيني. الثابت والمتحول: بحث في الإبداع والاتباع عند العرب/ أدونيس. مشروع نقد العقل العربي/ محمد عابد الجابري. الرسالة الثانية للإسلام/ محمود محمد طه. العالمية الإسلامية الثانية: جدلية الغيب والإنسان والطبيعة/ محمد أبو القاسم حاج حمد. الكتاب والقرآن/ محمد شحرور. الإسلام بين الرسالة والتاريخ/ عبد المجيد الشرفي. ليلة الفلق/ فتحي بن سلامة...إلخ.

8- درويش، محمود، ديوان لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي، قصيدة لاعب النرد، مرجع سابق، ص 33

9- المرجع السابق، ص 33

10- السابق، ص ص 33- 34

11- السابق، ص 34

12- السابق، ص 35.

13- السابق، ص 34

14- السابق، ص 34.

15- السابق، ص 34.

16- السابق، ص 34.

17- السابق، ص 34.

18- السابق، ص 34.

19- السابق، ص ص 36- 37.

20- السابق، ص ص 36- 37.

21- السابق، ص ص 38- 39.

22- السابق، ص ص 41- 42.

23- السابق، ص ص 42- 43.

24- السابق، ص 44.

25- السابق، ص 45.

26- السابق، ص 45.

27- السابق، ص ص 52- 53.


ولادات محمود درويش: أو لماذا نخسر معركتنا الحضارية
You are studying
ولادات محمود درويش: أو لماذا نخسر معركتنا الحضارية