الحدُّ من الأوهام أو مسارات التفكير العلمي
قراءة في كتاب (التفكير العلمي) لـ "فؤاد زكريا"
كيف، من جانب، يمكن للمرء[1] أن يُفكِّر تفكيراً علمياً؟ ولماذا، من جانب آخر، عليه أن يُفكِّر تفكيراً علمياً؟
من ثمَّ، هل نحنُ بحاجةٍ، في العالَم العربي، إلى أن نُفكِّر، كأفرادٍ وشعوب، تفكيراً علمياً؟
للإجابة على الأسئلة أعلاه، دعونا نستعرض مفاصل كتاب (التفكير العلمي)[2] للدكتور "فؤاد زكريا"[3]، الذي صدر في طبعته الأولى سنة 1978، وجاء في سبعة فصول إضافة إلى المقدمة والخاتمة. وبرأيي أن الإجابة على سؤال: لماذا هذا الكتاب تحديداً؟ ستتكشف تباعاً أثناء العرض الاستطلاعي له في هذه المقالة.
يبدأ "فؤاد زكريا" كتابه (التفكير العلمي) بسؤال مركزي: "ما المقصود بالتفكير العلمي؟"، بما يشفُّ عن طريق سالك، يُمكن أن يُتبَّع كمنهجٍ في الحياة، ليس للأفراد فحسب، بل للشعوب أيضاً.
"التفكير العلمي [وفقاً لتعريف فؤاد زكريا] ليس خاصاً بالعلماء، الذين يستخدمون لغة متعلقة بطبيعة عملهم. بل هو نمط من التفكير يشمل الجميع، تفكير مُنظَّم الذي يمكن أن نستخدمه في شئون حياتنا اليومية، أو في النشاط الذي نبذله حين نمارس أعمالنا المهنية المعتادة، أو في علاقاتنا مع الناس ومع العالم المحيط بنا"[4]
فالتفكير العلمي أقرب ما يكون إلى المنهج العملي الذي يمكن أن يُتبَّع في تسيير أمور الحياة، لكن بعد أن يتم ترسيخه في أذهان الناس، عبر نُظم تربوية وتعليمية عديدة ومتنوعة وعلى مدار أزمان طويلة؛ بحيث يُصبح استدعاؤه في المجال العام استدعاء أوتوماتيكياً أو من باب تحصيل الحاصل، وليس استدعاء طارئاً أو بشكلٍ عابر. ولكي يكون هذا التفكير مُثمراً ومُنتجاً وفعَّالاً، يُحدِّد له "فؤاد زكريا" جُملة من السمات التي تطبعه بطابعها[5]، من أبرزها:
أولا: التراكمية
"العلم معرفة تراكمية. فالمعرفة العلمية أشبه بالبناء الذي يُشيّد طابقا فوق طابق، مع فارق أساسي هو أن سكان هذا البناء ينتقلون دوما إلى الطابق الأعلى. أي أنهم شيدوا طابقا جديدا انتقلوا إليه وتركوا الطوابق السفلى لتكون مجرد أساس يرتكز عليه البناء"[6] فـ "سمة التراكيمة تكشف لنا عن ارتباط وثيق بين المعرفة العلمية والنسبية، فالانتقال ناحية الأعلى ينفي أي إطلاق عن العلم، مهما بلغت درجة إحكامه في فترة زمنية ما. فالمعرفة العلمية لا تكف عن التطور. فقد بدا للناس، في وقت ما، أن فيزياء نيوتن هي الكلمة الخيرة في ميدانها، ثم جاءت فيزياء آينشتاين فابتلعت فيزياء نيوتي في داخلها وتجاوزتها وأثبتت أن ما كان يعد حقيقة مطقلة ليس في الواقع إلا حقيقة نسبية، أو حالة من حالات نظرية أوسع منها وأعم"[7]
ثم يشير "فؤاد زكريا" إلى، في هذا المقام، إلى الفرق بين نسبية العلم ونسبية الأذواق الفنية. فـ "النسبية لا تعني التشابه بين نسبية العلم ونسبية الأذواق الفنية، لناحية أن المعرفة العلمية مُطلقة، أي أنها تنطبق على كل عقل، مهما كان اتجاهه أو معتقده، فهي تُفسّر ظاهرة طبيعية يمكن أن تحدث في أي مكان وأي زمان، بما يجعل منها مُطْلقة. فالحقيقة العلمية، في إطارها الخاص، تصدق على كل الظواهر وتفرض نفسها على كل عقل، وبهذا المعنى تكون مطلقة. فحين نقول إن الماء يتكون من أكسجين وهيدروجين، لا نعني بذلك كمية الماء التي أرينا عليها هذا الاختبار، بل نعني أي كمية من الماء على الإطلاق. ولا نوجه هذه الحقيقة إلى عقل الشخص الذي أجرى أمامه هذا الاختبار فحسب، بل إلى كل عقل بوجه عام. ولكننا قد نكتشف في يوم ما أملاحا في الماء بنسبة ضئيلة، أو نصنع "الماء الثقيل" (المستخدم في المجال الذري) فيصبح الحكم العلمي السابق نسبيا، لا بمعنى أنه يتغير من شخص إلى آخر، بل بمعنى أنه يصدق في إطاره الخاص، وإذا تغير هذا الإطار كان لا بد من تعديله، كما هي الحال في أوزان الأجسام، التي يظل مقدارها صحيحا فيإطار الجاذبية الأرضية، ولكنها تختلف إذا انتقلت إلى مجال القمر"[8]. "ومجمل القول إن المعرفة العلمية متغيرة حقا، ولكن تغيرها يتخذ شكل التراكم أي إضافة الجديد إلى القديم، ومن ثم فإن نطاق المعرفة التي تنبعث من العلم تتسع باستمرار، كما أن نطاق الجهل الذي يبدده العلم ينكمش باستمرار"[9]
وهذا شيء غاية في الأهمية بالنسبة للإنسان والشعوب على حدِّ سواء. فهو[10]، من ناحية، امتداد عقلي لمن سبقوه، فهو غير قادر على تصفير عدَّاد الوجود والبدء من جديد، بل لا بُدَّ له من الاستفادة مما راكمته الأمم والشعوب التي قبله، لكنه، في الوقت ذاته، قادر على إضافة جديد، بعد استيعاب ما تراكم قبله. أي أن إبداعه مرهون بمعرفة ما سبقه، فوصوله إلى نتائج ذاتية جديدة لا بد له من مقدمات غيرية. وهذا يجعله في تواصل دائم مع ثقافات ومعارف الآخرين.
ثانياً: التنظيم
أو المعارف المضبوطة وفق منهجية مُحدَّدة، بحيث تُفضي المقدمات السليمة والصحيحة إلى نتائج أقرب إلى الحقيقة. إذ لا يكفي أن تتداعى الأفكار في عقل الإنسان أو عقل شعب ما حتَّى تُسمَّى عملية التفكير تلك بالعملية العلمية. إذ ينبغي أن "لا نترك أفكارنا تسير حرة طليقة، وإنما نرتبها بطريقة محددة، وننظمها عن وعي، ونبذل جهدا مقصودا من أجل تحقيق أفضل تخطيط ممكن للطريقة التي نفكر بها. ولكي نصل إلى هذا التنظيم ينبغي أن نتغلب على كثير من عاداتنا اليومية الشائعة، ويجب أن نتعود إخضاع تفكيرنا لإرادتنا الواعية، وتركيز عقولنا في الموضوع الذي نبحثه، وكلها أمور شاقة بحاجة إلى مران خاص. وإذا كان العلم تنظيما لطريقة تفكيرنا أو لأسلوب ممارستنا العقلية، فإنه في الوقت ذاته تنظيم للعالم الخارجي. فالعالم مليء بالحوادث المتشابكة والمتداخلة، وعلينا في العلن أن نستخلص من هذا التشابك والتعقيد مجموعة الوقائع التي تهمنا في ميداننا الخاص، مثل الفيزياء والكيمياء، وينطبق هذا على التاريخ أو العلوم الإنسانية بشكل عام، فالمؤرخ الذي يريد أن يكتب عن تاريخ العالم العربي في القرن العشرين مثلا، عليه أن يُنظِّم طريقة التعامل مع هذا التاريخ أو ما الذي يجب أن يأخذه من هذا التاريخ أو من كم المعارف الهائلة"[11]
وبناء على هذا، ثمة سؤال مركزي ها هنا: أين يكمن الاختلاف في طريقة التفكير العلمية عن غيرها من طرق التفكير الأخرى؟
"يكمن الاختلاف في أن التنظيم الذي يقول به العلم، يخلقه العقل البشري ويبعثه بفضل جهده المتواصل، الدؤوب، في اكتساب المعرفة، على أن العالم، وفقا لأنماط التفكير الأخرى، منظم بذاته. فالتفكير الأسطوري أو الفلسفي يجد أن العالم منظم وما على العقل إلا تأمله كما هو. أما في التفكير العلمي، فالعقل البشري يبحث عن النظام في عالم هو ذاته غير منظم، فالكون في نظر العلم لا يسير وفقا لغايات، إنما تسود مساره الآلية، وكلما تقدمت المعرفة استطعنا أن نبتدع مزيدا من النظام في مسار الحوادث العشوائي في العالم، أي أن الكون المنظم، بالاختصار، هو نقطة النهاية التي يسعى العلم من أجل بلوغها، وليس نقطة بدايته. ولتحقيق هذا النظام فإن العلم يتبع المنهج، أي طريق محدد يعتمد على خطة واعية، فصفة المنهجية صفة أساسية في العلم. فالمنهج العلمي يبدأ بمرحلة ملاحظة منظمة للظواهر الطبيعية التي يراد بحثها، وهي تتضمن عملية اختيار وانتقاء وعزل للوقائع التي تهم الباحث في ميدان عمله، من بين ألوف الوقائع الأخرى التي تتشابك معها في الطبيعة"[12]
وفي مرحلة التنظيم يتداخل المسار العقلي مع المسار التجريبي. ففي "كثير من الحالات يلجأ العلم، بعد الوصول إلى النظرية العامة، إلى الاستنباط العقلي، إذ يتخذ من النظرية نقطة ارتكاز أو مقدمة أولى، ويستخلص منها، بأساليب منطقية ورياضية، ما يمكن أن يترتب عليها من نتائج. ومن أمثلة ذلك، أن آينشتاين عندما وضع نظريته النسبية بناء على ملاحظات وتجارب سابقة قام بها هو وغيره من العلماء، استخلص النتائج المترتبة عليها بطريقة الاستنباط العقلي، وكان لا بد من تجربة لكي يثبت أن هذه النتائج تتحقق في الواقع. وبالفعل أجريت هذه التجربة في حالة الكسوف الشمسي سنة 1916 وأثبتت صحة النظرية التي اتخذ منها آينشتاين مقدمة لاستنتاجاته. وهكذا يسير المنهج العلمي من الملاحظات إلى التجارب إلى الاستنتاج العقلي وإلى التجارب مرة أخرى، أي أن العنصر التجريبي والعنصر العقلي متداخلان ومتبادلان. ففي أغلب الأحيان يكون العلم في بداية تطوره تجريبيا، وعندما ينضج يكتسب إلى جانب ذلك الصيغة العقلية الاستنباطية. ففي المرحلة الأولى يجمع أكبر عدد ممكن من المعارف بطريقة منظمة، وفي المرحلة الثانية يتوصل إلى المبادئ العامة التي تفسر هذه المعارف وتضعها في إطار موحد. فمثلا بدأت الفيزياء مرحلتها التجريبية الأولى في القر السادس عشر، والنتقلت بعد قرنين إلى المرحلة الثانية[13]
هذا التعاضد في نمط التفكير التنظيمي، يُفضي إلى "الترابط، فالعلم لا يكتفي بحقائق مفككة، وإنما يحرص على أن يكوّن من قضاياه نسقا محكما، يؤدي فهم كل قضيه فيه إلى فهم الأخريات. وكل حقيقة علمية جديدة لا تضاف إلى الحقائق الموجودة إضافة خارجية، بل تدمج فيها بحيث تكوّن معها كلا موحدا. وهذا يستلزم طرح العناصر التي لا تتفق والنسق، وهذا ما حدث مع آينشتاين عندما أعاد النظر في فيزياء نيوتن، الذي ظل يعد حقيقة لقرنين، فقد دمج تلك الفيزياء في نسق أوسع، وصارت جزءا وليس كلا"[14]
فالتنظيم، بما هو سمة أساسية في نمط التفكير العلمي، غاية في الأهمية، ليس لصحة العقل فحسب، بل لصحة الحضارات أيضاً.
ثالثاً: البحث عن الأسباب
ثالث سمات التفكير العلمي هي (البحث عن الأسباب)[15]، وهذا جهد كبير وطويل ومفيد يتطلب، من الأفراد كما من الشعوب، معرفة الظواهر كما هي في المرحلة الأولى، ثم محاولة فهم لماذا هي هكذا. فـ "النشاط العقلي للإنسان لا يكون علما، إلا إذا استهدف فهم الظواهر وتعليلها أي فهم أسبابها، وهذا البحث عن الأسباب له هدفان:
الأول: إرضاء الميل النظري لدى الإنسان، فهو يبحث عن تعليل لكل شيء. لكن ليس كل النشاط الإنساني ميَّال إلى ذلك، فالعديد من الحضارات بنت وأقامت لكنها انشغلت بالفائدة المرجوة للبناء بعيدا عن بحثها عن النظريات الكامنة وراء عمليات البناء أو الحساب.
الثاني: لكن الاعتقاد بأن معرفة الأسباب ليس له تأثير عملي، هو اعتقاد واهم. ذلك لأن معرفة أسباب الظواهر التي تمكننا من أن نتحكم فيها على نحو افضل، ونصل إلى نتائج عملية أنجح بكثير من تلك التي نصل إليها بالخبرة والممارسة. فمن الدراسة الدقيقة لطبيعة الموجات الصوتية وكيفية انتقالها أمكن ظهور سلسلة طويلة من المخترعات، كالتلفون والراديو ومسجل الشرائط والسي دي... ومعرفة أسباب الأمراض هو الذي يساعد في علاجها علاجا جذريا. فمعرفة الأسباب ليس لإرضاء نزوعنا النظري إلى فهم حقائق الأشياء، بل لتحقيق نتائج أفضل[16]
رابعاً: الشمولية واليقين
شمولية التفكير العلمي، تختلف اختلافاً جذرياً عن شمولية الأفكار الدينية أو الرؤى الآيديولوجية التي تأخذ طابعاً قطعياً منذ اللحظة الأولى. شمولية التفكير العلمي "تسري على جميع أمثلة الظاهرة التي يبحثها العلم، ولا شأن لها بالظواهر في صورتها الفردية، وحتى ولو كانت هذه المعرفة تبدأ من التجربة اليومية المألوفة، مثل سقوط جسم ثقيل على الأرض، فإنها لا تكتفي بتقرير هذه الواقعة على النحو الذي نشاهدها عليه، وإنما تعرضها من خلال مفاهيم ذات طابع أعم، مثل فكرة الجاذبية والكتلة والسرعة والزمن، إلخ، بحيث لا تعود القضية العلمية تتحدث عن سقوط هذا الجسم بالذات، أو حتى على مجموعة الأجسام المماثلة، بل عن سقوط الجسم عموما، وبذلك تتحول التجربة الفردية الخاصة، على يد العلم، إلى قضية عامة أو قانون شامل. على أن شمولية العلم لا تسري على الظواهر التي يبحثها فحسب، بل على العقول التي تتلقى العلم أيضا"[17]
كذلك يقينية التفكير العلمي، تختلف هي الأخرى بشكل جذري عن يقين الأديان أو الآيديولوجيات. فهو "يقين يعتمد على الأدلة والبراهين، ولا يخضع للأهواء الشخصية. ويقينيته لا تعني أنه يقين ثابت أو نهائي، فالعلم لا يعترف بشيء اسمه الحقائق النهائية التي تسري على كل زمان ومكان بل يعمل حسابا للتغير والتطور المستمر"[18]
خامساً: الدقة والتجويد
وهي سمة يشرحها "فؤاد زكريا" على النحو التالي: "من غير المقبول علميا أن تترك عبارة واحدة دون تحديد دقيق، أو تستخدم قضية يشوبها الغموض أو الالتباس. بل إنه حتى في الحالات التي لا يستطيع فيها العلم أن يجزم بشيء ما على نحو قاطع، وإنما يظل هذا الشيء احتماليا في ضوء أحدث معرفة وصل إليها العلم، حتى في هذه الحالات يعبر العلم عن هذا الاحتمال بدقة، أي بنسبة رياضية محددة، وبذلك فإنه يحدد بدقة درجة عدم الدقة"[19]
لذا يُصبح تعلُّم المنطق بشقيه الاستنباطي والاستقرائي، على درجة عالية من الأهمية في هذا المقام. إذ يُعلَّم الإنسان الانتقال، بطريقة سلمية وصحيحة، من الوحدات الصغيرة إلى الوحدات الكبيرة، أو من الخوارزميات الصغيرة إلى فهم العالَم الكبير.
بإزاء هذه السمات التي تطبع التفكير العلمي بطابعها، ما يضفي عليه مزيداً من الشرعية المنطقية والمتانة المعرفية، يعرض "فؤاد زكريا" لأبرز العقبات التي تقف في طريق التفكير العلمي، وهي على النحو التالي:
أولا: الأسطورة والخرافة
لا أحد ينكر الدُّور المحوري الذي لعبته الأساطير في الحياة البشرية، وما زالت. إذ شكلَّت جزءاً هاماً من تطوُّر العقل البشري، وآليات تفسيره للظواهر الطبيعية. لكن ذلك لا يعني استمرارها في صياغة الحياة البشرية وتفسير ظواهرها، إذ إن معرفة تلك الأساطير ودراستها واستيعابها واستيعاب الأدوار التي لعبتها، على مدار التاريخ، ينبغي أن يكون جزءاً من التكوين المعرفي للإنسان الحديث، حتى لا تحدث فجوات أو انقطاعات من شأنها الإضرار بصحته العقلية. فقد "ظلت الأسطورة تحتل مكانة هامة في الوجود البشري، لأنها قدمت تفسيرا للعالم. فقد قامت الأسطورة بوظيفة مماثلة لما يقوم به العلم حاليا، أن تفسير الظواهر الطبيعة. أما التفكير الخرافي فهو التفكير الذي يقوم على إنكار العلم ورفض مناهجه. فالأسطورة تمثل نظاما كاملا في النظر إلى العالم والإنسان، وكان هذا النظام يتسم، في كثير من الأحيان، بالاتساق والتماسك الداخلي. أما الخرافات فتتعلق بالتفاصيل، وقد تكون متعارضة أو متناقضة فيما بينها"[20] "وأهم مبدأ ترتكز عليه الأسطورة هو المبدأ الذي يعرف باسم حيوية الطبيعة Animism والمقصود أن التفكير الأسطوري يقوم أساسا على صبغ الظواهر الطبيعية، غير الحية، بصبغة الحياة، بحيث تسلك هذه الظواهر كما لو كانت كائنات حية تحس وتنفعل وتتعاطف أو تتنافر مع الإنسان. فالآلهة تتصرف كما يتصرف البشر في الأغلب"[21]
ومما يُعمِّق فكرة تعارض الأسطورة مع التفكير العلمي هو أن "الأسطورة تدعم فكرة الغايات، لكن العلم يقف على النقيض من ذلك. فالطبيعة لا تعرف غايات بالمعنى الذي نفهم به نحن هذا اللفظ، بل إن حوادثها تحكمها الضرورة فحسب، ولا يحدث فيها شيء، كسقوط المطر أو وقوع فيضان، إلخ، إلا إذا توافرت الأسباب الطبيعية المؤدية إليه. وعندما تتوافر هذه الأسباب يكون حدوث الظاهرة أمرا حتميا. أما الغايات فإننا نحن الذين نخلقها، ونستغل من أجلها حوادث الطبيعة، فنحن قد وجدنا المطر بالفعل ثم اكتشفنا بالتجربة فائدته في ري الزرع، فخلقنا هذه الغاية له، أما المطر ذاته فكان سيسقط سواء روينا به زرعنا أم لم نروه. والدليل الواضح على إخفاق التعليل الغائي للظواهر الطبيعية، هو أن هذا التعليل كثيرا ما يتخبط ويتناقض: ففي الوقت الذي يعتقد فيه البعض أن المطر يسقط من أجل ري زراعته، يرى البعض الاخر أنه يسقط لكي يروي ظمأه أو ظمأ ماشيته، ويرى غيرهم أنه يسقط لكي يصنع بركة يستحم فيها، بينما يرى صاحب الكوخ الهش أن سقوط المطر نقمة عليه"[22]
لربما فُهم هذا التوجُّه قديماً، إذ انتاب الإنسان شعور كبير بالعجز أمام الظواهر الطبيعية المُخيفة والمعقدة، ما جعله يلجأ إلى الأساطير والخرافات لتفسير تلك الظواهر، فهو عاجز أساساً عن فهم حقيقتها كما هي. لكن مع إنسان العصور الحديثة، ومع التطوُّر العلمي الهائل في مختلف مجالات الحياة، يُصبح هذا الحضور للتفسيرات الخرافية ضرباً من العطب العقلي والحضاري. إذ ينبغي أن يبقى "المجرى العام بالحياة خاضعا للعقلانية والترشيد والتخطيط المدروس، أما الميول الخرافية فتتخذ شكلا فرديا لا يؤثر على المسار العام"[23]
ثانياً: الخضوع للسلطة
يمكن اختصار فكرة الخضوع للسلطة بأنها تُحدِّد النتائج مسبقاً، ما يجعلها عقبة كبيرة أمام التفكير العلمي الحُرّ. فالسُّلطة أشبه باليقين الإيماني الذي يسمح بحرية التفكير شريطة أن يصل إلى النتيجة التي توصَّل إليها اليقين الإيماني. ويُركِّز "فؤاد زكريا" في بداية حديثة عن الخضوع للسطة على السُّطلة الفكرية ذاتها، بما هي عقبة كبيرة أمام التفكير العلمي، ويضرب مثالاً على ذلك بأرسطو. أي أنه ينقد المنظومة من الدَّاخل، فهو إذ يبدأ بنقد السُّلطة بما هي عقبة من العقبات التي تقف في وجه التفكير العلمي، فإنه يبدأ بنقد السُّلطة المعرفية، وقد ضرب مثالاً على ذلك بأرسطو. "فقد ظل الفيلسوف يمثل المصدر الأساسي للمعرفة، في شتى نواحيها، طوال العصور الوسطى الأروربية. كذلك كانت كثير من قضاياه تؤخذ بلا مناقشة في العالم الإسلامي، حيث كان يعد المعلم الأول، وإن كان بعض العلماء الإسلاميين قد تحرروا من سلطته في نواح معينة، ولا سيما ميدان العلم التجريبي. فقد نظر إليه بنوعٍ من التمجيد والتقديس، فهذا الخضوع قد جمده وجعله صنما معبودا، والفيلسوف الحق لا يقبل أن يُتخذ تفكيره، مهما بلغ عمقه، وسيلة لتعطيل تفكير الآخرين وشل قدراتهم الإبداعية، بل أقصى تكريم للفيسلوف إنما يكون في عدم تقديسه، وفي تجاوزه، إذ لم يتم الأخذ بالروح التجريبية التي طورها الفيسلوف أواخر حياته، بل أخذت منه نتائج أبحاثه، واعتبرت الكلمة الأخيرة في ميدانها. لذا ابتداء عصر الأنوار الحديث بنقد الطريقة الأرسطية التي تقيدت بها العصور الوسطى تقيدا تاما، ففي ميدان العلم خاض جاليليو مغركة ضد سلطة أرسطو، فنظرته كانت أن العالم متمركز حول الأرض، التي بنيت على أسس ميتافيزيقية"[24]
ولكي يُحكم حديثه عن السُّلطة المُعيقة للتفكير النقدي، يتحدث "فؤاد زكريا" عن أهم العناصر التي تُميِّز:
أولا: القِدَم، أي أن يكون الرأي قديما[25]. فثمة ميل للإعتقاد بأحقيَّة وصوابيَّة الآراء التي يتم توارثها، فهي راسخة في عُمق المنظومتين البيولوجية والاجتماعية. وهذا مما يُعيق التفكير العلمي، لأنه يُثبِّت المعرفة في نقطة زمنية معينة، ويقيس عليها بقية الأزمان. "والواقع أن الميل إلى الأخذ بسلطة القدماء يزداد في عصور الركود والانصراف عن التجديد"[26] ما يحدّ من تطور الأفراد والشعوب على المستوى الحضاري، فهو واقعون تحت وطأة سحر أزمان ماضية لا تصلح لأزمانهم الحاضرة.
ثانياً: الانتشار. "إذا كانت صفة القدم تعبر عن الامتداد الطولي في الزمان، فإن صفة الانتشار تعبر عن الامتداد العرضي بين الناس، فالرأي يكتسب سلطة أكثر إذا كان شائعا بين الناس، وكلما ازداد عدد القائلين به كان من الصعب مقاومته"[27]
ثالثا: الشهرة. "إذ يكتسب الرأي سلطة كبرى في أذهان الناس إذا صدر عن شخص اشتهر بينهم بالخبرة والدراية في ميدانه"[28]. وقد يكون هذا الشخص المشهور حياً أو ميتاً، ما يُضاعف إعاقته لسلاسة تدفق للتفكير العلمي في الاجتماع السياسي.
رابعا: الرغبة والتمني. إذ "يميل الناس إلى تصديق ما يرغبون فيه، أو ما يتمنون أن يحدث، ويحاربون ما يصدم رغباتهم أو يحبط أمنياتهم"[29] فقد يدخلون نتيجة لهذا العنصر في أوهام كبرى، ما يُعمِّق مأساتهم ويزيد من تخلفهم.
ثالثاً: إنكار قدرة العقل
أما ثالث العقبات في وجه التفكير العلمي فهي إنكار قدرة العقل. "أي عجز العقل أمام قوى لا معنى لها كالإلهام أو الحدس الذي تحدث عنه هنري برغسون، فهو لا ينكر العلم المعتمد على العقل، بل يراه غير كاف، ويضع إلى جواره ذلك النوع الآخر من المعرفة، الذي اعتقد أنه أعمق من المعرفة العقلية بكثير"[30]
رابعاً: التعصّب
التعصب هو اعتقاد باطل بأن المرء يحتكر لنفسه الحقيقة أو الفضيلة، وبأن غيره يفتقرون إليها، ومن ثم فهم دائما مخطئون وخاطئون. فالتعصب لا ينطوي على انطواء على الذات ونسب كل الفضائل إليها، بل يتضمن استبعاد فضائل الآخرين، وإنكارها ومهاجمتها. فالتعصب يلغي التفكير الحر والقدرة على التساؤل والنقد، ويشجع قيم الخضوع والطاعة والاندماج، وهي قيم تصلح في أي مجال ما عدا مجال الفكر"[31]
والتعصب أنواع منه ما هو قومي وما هو وطني وما هو ديني وما هو طائفي...إلخ. "وأعظم الأخطار التي يجلبها التعصب على العلم هو أنه يجعل الحقيقة ذاتية، ومتعددة، ومتناقضة... فكل متعصب يؤمن بحقيقته هو، ويؤكد –بلا مناقشة- خطأ الآخرين"[32]
خامسا: الإعلام المضلل
"إذ يلجأ الإعلام إلى أساليب تتنافى مع مقومات التفكير السليم"[33]، كتضخيم حدث ما بصرف النظر عن مدى صحته وتكرار ذلك بشكل مستمر وبلا انقطاع.
إذاً، يمكن الاصطلاح على هذا الجزء من كتاب (التفكير العلمي) لفؤاد زكريا بالشِّقِّ المعرفي، إذ تناول فيه مفهوم التفكير العلمي إضافة إلى سماته الأساسية وأبرز العقبات التي تقف في وجهه. أما الجزء التالي الموسوةم بـ (المعالم الكبرى في طريق العلم)، فيمكن الاصطلاح عليه بالشِقِّ التاريخي، إذ يسرد فيه تطوُّر العلم من عصوره القديمة وصولاً إلى زمننا الحاضر. "ففي الحضارات الشرقية القديمة تراكمت حصيلة ضخمة من المعارف ساعدت الإنسان في هذه الحضارات على تحقيق إنجازات كبرى، ما زالت آثارها تشهد بعظمتها حتى اليوم. ولكن هذه المعارف لم تكن سوى خبرات موروثة. ذلك لأن هذه الشعوب التي عاشت في الشرق القديم كانت بارعة في الاستخدام العملي للمعارف الموروثة، ولكنها لم تكن تملك نفس القدر من البراعة في التحليل العقلي النظري لهذه المعارف. كان لديها خبرات تتيح لها أن تحقق إنجازات عملية هائلة ولكنها لم تتوصل إلى النظريات الكامنة وراء هذه الخبرات، ولم تخضعها للتحليل العلمي الدقيق. أما الحضارة التي توصلت إلى هذه المعرفة النظرية، والتي توافرت للإنسان فيها القدرة التحليلية التي تتيح له كشف المبدأ العام من وراء كل تطبيق عملي، فهي الحضارة اليونانية. وهكذا يمكن تشبيه العلاقة بين حضارات الشرق القديم والحضارة اليونانية، فيما يتعلق بنشأة العلم، بالعلاقة بين المقاول والمهندس. فالمقاول هو في معظم الأحيان شخص اكتسب قدرا هائلا من الخبرات العملية، سواء عن طريق التلقين أو الممارسة، ولولا القوانين التي تسنها الدول في عصرنا الحديث لكان في استطاعة معظم المقاولين أن يشيدوا أبنية سليمة تودي كل الأغراض التي نتوقعها من البناء. أما المهندس فهو، إلى جانب إلمامه ببعض الخبرات العملية، يمتلك العلم النظري الذي يتيح له معرفة أسس عملية البناء، ويمكّنه من التصرف بحرية والخروج عن القواعد المألوفة في حالة وقوع أي طارئ. ولو قارنا بين المقاول والمهندس من حيث النتائج العملية للجهد الذي يقومان به، لما كان الفارق بينهما كبيرا، لأن كلا منهما يستطيع، في الغالب، أن يشيد بناء متماسكا متينا. أما الأختلاف بينهما فهو في نوع المعرفة التي يعمل وفقها كل منهما، وهل هي معرفة تطبيقية مستمدة من خبرات متراكمة، أم معرفة نظرية تعتمد على التحليل والبراهين المقنعة للعقل. فالعلم بما هو بحث عن المبادئ العامة، وسعي إلى النظرية، وليس الاكتفاء بتحقيق أهداف عملية، لم يظهر للمرة الأولى إلا عند اليونانيين القدماء"[34]
لكن هذا لا يعني أن اليونانيين بدأوا من الصفر، لتعارض ذلك مع مبادئ وسمات التفكير العلمي. فهذه المبادئ تؤكد اتصال الحضارات وتأثيرها بعضها ببعض [وتراكم معارفها]... ولا جدال في أن المكان الذي ظهرت فيه أولى المدارس الفلسفية والعلمية اليونانية، هو في ذاته دليل على الاتصال الوثيق بين الحضارة اليونانية والحضارات الشرقية السابقة. فل تظهر المدرسة الفكرية الأولى في أرض اليونان ذاتها، وإنما ظهرت في مستوطنة أيونية التي أقامها اليونانيون على ساحل آسيا الصغرى (تركيا حاليا)... وقد شهد فيلسوفهم الأكبر أفلاطون الذي كان في الوقت ذاته عالما رياضيا، بفضل الحضارة الفرعونية على العلم والفكر اليوناني، وأكد أن اليونانيين إنما هم أطفال بالقياس إلى تلك الحضارة العظيمة"[35]
لكن ما هي الإضافة التي أضافها اليونانييون[36] للعلم؟
"إنجازهم الحقيقي كان في الجانب النظري، أي في المعارف العلمية بمعناها العقلي البحت، فقد كانت لدى اليونانيين قدرة هائلة على التعميم، جعلتهم لا يهتمون بالأمثلة الجزئية لأية ظاهرة، وإنما يركزون على أعم جوانبها، أو على قانونها العام. فهم –على سبيل المثال- لا يبحثون في خصاص ذلك المربع الذي يكونه سقف بيت معين، أو حقل مزروع، بل كان ما يهمهم هو خصائص المربع بوجه عام، أو المربع في ذاته، بغض النظر عن الهيئات التي يتحقق فيها، بل حتى ولو لم يكن متحققا في الواقع على الإطلاق"[37]
"ولكي يقتنع العقل على المستوى النظري، لا بد له من الوصول إلى الأدلة والبراهين القاطعة، ولقد كان هذا البحث مطلبا اساسيا في الفكر اليوناني. فلم يكن هذا الفكر يقبل أية قضية ما لم يقتنع بها عن طريق دليل يفرض نفسه على العقل فرضا. ولم يكن يكتفي بالنتائج النافعة أو السلوك العملي الناجح، بل كان يبحث عن الأسباب"[38]
وهذا بدوره أدَّى إلى تطور جُملة من العلوم والمعارف في الحضارة اليونانية، المُتعلقة بالتفكير العلمي، المنطق[39] والرياضيات والهندسة والموسيقى...إلخ. ما جعلها علامة بارزة في تطوُّر الحضارة البشرية. لكنها ليست العلامة الوحيدة، بل محض علامة بارزة، فقبلها مرَّت حضارات وبعدها أتت حضارات، وللحظة لم يتوقف تطوُّر العلوم والمعارف، إلا لدى الشعوب والأمم الخاملة والكسولة التي تُعطِّل العقل وتقف في وجه صحته وسلامته، وذلك بتعزيز مسلكية الأوهام والخرافات والصوابيات المُطْلَقة والحلول القطعية والنهائية. وهذا ما حدث للحضارة الغربية إبَّان العصور الوسطى، إذ تعطلت عن العطاء العقلي والحضارة؛ في حين ازدهرت العلوم والمعارف والفلسفات والآداب بشكل لافت وقوي في الحضارة العربية الإسلامية. وهذا مما أشار إليه "فؤاد زكريا" ساعة انتقل في حديثه عن تطور العلم من العصور القديمة إلى العصور الوسطى. إذ "لا بد لنا، عند معالجة معنى العلم في العصور الوسطى، من أن نفرق بين العصور الوسطى في أوروبا والعصور الوسطى في العالم الإسلامي. ففي تلك الفترة الزمنية الواحدة، كان هناك تفاوت هائل في مستوى العلم بين هاتين المنطقتين من العالم. وعلى حين أن العلم الأوروبي هبط إلى الحضيض في هذه الفترة، فإن العلم في العالم الإسلامي وصل إلى قمته خلالها. لقد برع جابر بن حيان في الكيمياء، والحسن بن الهيثم في البصريات، والبيروني في الفلك والرياضيات، والرازي وابن سيناء وابن النفيس في الطب"[40]
ومع تطوُّر التفكير العلمي في الحضارة العربية الإسلامية، وقدرته على "استخدام العلم من أجل كشف أسرار العالم الطبيعي وتمكين الإنسان من السيطرة عليه"[41] تراكمت معرفة جديدة، ساهمت في تهيئة المجال العام من أجل تطوُّر العلوم في العصر الحديث. وقد أدرك علماء وفلاسفة هذا العصر "حاجة العقل البشري من مناهج للبحث وطرق التفكير حتى ينتقل إلى عصر جديد"[42] وقد لعب "فرنسيس بيكون"[43] دوراً رئيسياً في هذا المجال، فعلى يديه تم تعزيز المنهج التجريبي، إذ دعانا إلى إجراء حوار مباشر مع الطبيعة، واستخدام حواسنا وعقولنا في ملاحظة وقائعها وتسجيلها بأمانة، ونادى بضرورة إزالة هذا الحاجز اللفظي الخداع الذي وضعه القدماء بيننا وبين حقائق العالم، ويؤكد أن المعرفة الصحيحة إنما تكون في طرح الأسئلة المباشرة على الطبيعة"[44]
وبالنتيجة، يمكن اعتبار "فرنسيس بيكون" علامة بارزة في تاريخ تطوُّر التفكير العلمي، فقد هيأ أذهان الناس لقبول عدد كبير من العلوم التي تتصل بموضوعات أرضية مادية"[45]. وإلى جانبه برز عالم بارز هو "غاليليو"، فقد نبها –هو وفرنسيس بيكون- إلى ضرورة الأخذ "بالملاحظة الأمينة للواقع من جهة، والقدرة على صياغة قوانين هذا الواقع بطريقة رياضية من جهة أخرى"[46]
وشيئاً فشيئاً تعمق التكفير العلمي في المجتمعات الغربية، بعد أن بُدء على أيدي ثلة من العلماء والفلاسفة، "ثم أخذت الجمعيات العلمية بالانتشار، كأكاديمة التجربة العلمية في فلورنسا 1657، والجمعية الملكية في لندن1662، والأكاديمية الفرنسية 1666، ثم أكاديمية سان بطرسبورج 1729 وأكاديمية برلين 1744. وبفضل هذه الجمعيات العلمية الرائدة، لم يتحقق مبدأ العمل الجماعي والتخطيط المنظم في العلم فحسب، بل إن إنشاءها قد دعم مبدأ رعاية الدولة للعلماء وإنفاقها على أبحاثهم"[47]
وفي إطار حديثه عن العلم الحديث، وتراكماته التي بدأت منذ عصور سحيقة، يُشير "فؤاد زكريا" إلى مفهوم التكنولوجيا بصفته مفهوماً عريقاً في القدم، رغم الطابع العام الذي يتعامل معه على أنه شيء حديث، ومتعلق بالاكتشافات العلمية الحديثة. فلكلمة "تكنولوجيا، عند كثير من الناس، رنينا حديثا يجعلهم يظنون أن العالم لم يعرف التكنولوجيا إلا في عصر قريب، وأن التكنولوجيا هي المخترعات الحديثة الراقية التي غيرت معالم الحياة البشرية في العصر الحديث، وخاصة في القرن العشرين. ولكن واقع الأمر هو أن الشيء الوحيد الحديث في هذا الموضوع كله هو اللفظ ذاته، أما الظاهرة نفسها فهي قديمة قدم الإنسان، ومن الخطأ أن نربط بين التكنولوجيا وبين المخترعات الحديثة، لأن هذه المخترعات لا تعدو أن تكون آخر المراحل في تطور طويل بدأ منذ فجر الوعي البشري. وأول معنى يطرأ على ذهن الإنسان حين يحاول تعريف التكنولوجيا هو معنى التطبيق العملي. فالعلم معرفة نظرية، والتكنولوجيا تطبيق لهذه المعرفة النظرية في مجال العمل البشري... والمعنى الثاني [الذي] تثيره كلمة التكنولوجيا هو أنها وسيلة تستخدم في العمل البشري، فمنذ أقدم عصور التاريخ البشري كان الإنسان يستعين بأدوات تساعده في عمله، وهي أدوات تستحق اسم التكنولوجيا. فتهذيب قطعة من الحجر أو المعدن وربطها بقطعة خشبية من جذع شجرة واستخدامها فأسا لقطع الأشجار أو لتقليب الأرض هو نوع من التكنولوجيا..."[48]
إذاً، ما يُركِّز عليه "فؤاد زكريا" ها هنا، هو تراكم الخبرات، انسجاماً مع سمات التفكير العلمي، إلى درجة صيرورتها في نماذج تكنولوجية حديثة وعلى درجة عالية من التطوُّر. فالعلم الحديث لم يُولد من عَدَم، بل هو نتاج تراكم هائل لمعارف كبيرة وكثيرة ولأزمان طويلة، وهو ما استفاد منه العلم الحديث الذي قفز قفزات كبيرة وهائلة، لا سيما في القرن الأخير، أي القرن العشرين [حيث كتب فؤاد زكريا كتابه التفكير العلمي]، ثم بلغ مبالغ متطورة جداً في القرن الحادي والعشرين، لم يكن يحلم بها الإنسان، لربما ولا في الخيال، لكنها تحققت. وهذا ما يضع الشعوب والأمم الأقل تطوراً على المستوى العلمي، أمام تحديات كبرى ينبغي تجاوزها، لكي لا تخرج خارج السباق الحضاري برُمَّته. "فمعدل نمو العلم قد تسارع بصورة مذهلة خلال القرن العشرين، إذ تقول الإحصاءات أن كمية المعرفة البشرية تتضاعف، في وقتنا الحالي، خلال فترة تتراوح بين عشر سنوات وخمس عشرة سنة، وهو ما كان يستغرق في العصور الماضية مئات السنين. وسيظل هذا في ازدياد مستمر، بحيث أن الإنسان سيحتاج من أجل مضاعفة معرفته بالعلم عند نهاية هذا القرن[49] إلى فترة لا تزيد عن خمس سنوات"[50]
هذا الكلام كان قد كتبه "فؤاد زكريا" قد نصف قرن تقريباً، لكن بتقديري أن كل شيء يمكن تجاوزه، أعني مسألة التطبيقات العلمية، إذا ما تم إنشاء أجيال تُفكِّر تفكيراً علمياً. أي البدء بالمنهج، أو بالبناء العقلي للأجيال الجديدة، إذ تُصبح التطبيقات لهذا البناء من باب تحصيل الحاصل، وليس عملاً طارئاً يبرع فيه فرد على حساب فرد آخر، وفقاً لنمط تربيته وثقافته ووعيه، بل يُصبح نهجاً اجتماعياً يبرع فيه الكل. فالتفكير العلمي القائم على المنهج يجعل من الأفراد والشعوب بإزاء الشعوب الأخرى في مسألة العطاء الحضاري، فالإبداع حاضر بشكل مبدئي في بنية الفرد كما في بنية الشعب، طالما حضر التفكير العلمي المنهجي، والإبداع غائب طالما غاب التفكير العلمي المنهجي. ما بين الغياب والحضور، تُبنى الحضارات أو تُهدم، لكن مع تأكيد على ضرورة تعزيز هذا التفكير العلمي بنهجٍ أخلاقي[51]، حتَّى لا تحدث اختلالات كبرى في مسيرة الحضارة الإنسانية، كما شهدنا في القرن الأخير[52]، إذ تحولت بعض المنتجات العلمية إلى مُهلكات للعمران البشري.
خاتمة:
تضمَّن كتاب (التفكير العلمي) لفؤاد زكريا العديد من الفصول الأخرى، لكن المسألة الأساسية التي حاولت تغطيتها في هذه المقالة تضمنتها الفصول الأولى من كتابه، وبرأيي أنها بحاجةٍ إلى تعزيز من خارج الكتاب، أي من كُتب أخرى مُتعلقة بالتفكير الناقد والمنطق وغيرها، لبلورة سياق معرفي مُتسِّق، بطريقة يُستفاد منه في العالَم العربي، على المستويين الفردي والجمعي، بحيث تُصبح المعرفة بأطيافها المختلفة حاضرة في عقل وتطبيقات الإنسان العربي، بما يجعل من حضوره حضوراً فاعلاً في هذا العالَم، وليس مجرد مُستقبل سلبي لما حوله. البداية يمكن أن تكون بهذا الكتاب، لكنه ليس مآلاً بحدِّ ذاته بقدر ما هو مُفتتح لحقل شاسع وكبير، لا شكَّ أنه سيساهم مسهمة فاعلة في بلورة إنسان عربي قادر ليس على الاندماج في التحديات الحديثة، بل تجاوزها أيضاً بالعطاء والإبداع.
الهوامش:
1- ما ينطبق على الأفراد ينطبق على الشعوب أيضاً، إذ يصبح السؤال المزدوج: كيف للشعوب أن تُفكِّر تفكيراً علمياً، ولماذا؟ سؤالاً برسم الإجابة بشكلٍ دائم ومستمر، بما ينسجم مع روح التفكير العلمي، كما سنشرح تباعاً في هذه المقالة.
2- فؤاد زكريا، التفكير العلمي، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 3، الكويت، 1978.
3- ولد فؤاد زكريا في مدينة بورسعيد سنة 1927م. درس الفلسفة في جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة الآن). أصدر مجموعة من الكتب وترجم العديد منها أيضاً. ساهم في إنشاء، سلسلة عالم المعرفة في دولة الكويت إلى جانب المفكر الكويتي "أحمد مشاري العدواني". التي تعتبر، أعني سلسلة عالم المعرفة، أحد أبرز معالم الثقافة العربية المعاصرة.
من مؤلفاته: 1- خطاب إلى العقل العربي. 2- الصحوة الإسلامية في ميزان العقل. 3- الإنسان والحضارة...إلخ.
ومن ترجماته: 1- نشأة الفلسفة العلمية لـ هانز ريشنباخ. 2- حكمة الغرب لـ برتراند راسل. 3- الفلسفة: أنواعها ومشكلاتها لـ هنتر ميد.
4- فؤاد زكريا، التفكير العلمي، مرجع سابق، ص 5.
5- السِّمات الأساسية أو الملامح الرئيسية، بحاجةٍ إلى فترات طويلة لكي تتشكَّل وتصبح علامة بارزة في صاحبها.
يمكن العودة إلى الصفحة 15 من كتاب التفكير العلمي، مرجع سابق.
6- التفكير العلمي، فؤاد زكريا، مرجع سابق، ص 15.
7- المرجع السابق، ص 17.
8- المرجع السابق، ص ص 17- 18.
9- المرجع السابق، ص 19.
10- الفرد أو الشعب.
11- المرجع السابق، ص 24.
12- السابق، ص ص 24- 25.
13- السابق، ص ص 28- 29.
14- السابق، ص 30.
15- تبرز هنا فكرة "إله الفراغات"، التي تتضخم بشكل كبير ولافت، كلما نقص منسوب التفكير العلمي لدى الأفراد والشعوب.
16- التفكير العلمي، مرجع سابق، ص 32.
17- السابق، ص 37.
18- السابق، ص 38.
19- السابق، ص 40.
20- السابق، ص 48.
21- السابق، ص 49.
22- السابق، ص 52.
23- السابق، ص 58.
24- السابق، ص 64.
25- السابق، ص 65.
26- السابق، ص 66.
27- السابق، ص 67.
28- السابق، ص 70.
29- السابق، ص 71.
30- السابق، ص 71.
31- السابق، ص ص 78- 79.
32- السابق، 81.
33- السابق، 85.
34- السابق، ص ص 95- 97.
35- السابق، ص 99.
36- كذلك ركَّز محمد عابد الجابري، في مشروعه النقدي، على مركزية العقل اليوناني لكن في حقل الفلسفة هذه المرة.
37- التفكير العلمي، مرجع سابق، ص 104.
38- السابق، ص 106.
39- وضع أرسطو قوانين المنطق في كتابه (المنطق).
40- المرجع السابق، ص 121.
41- السابق، ص 121.
42- السابق، ص 126.
43- ولد فرنسيس بيكون سنة 1561م. يعتبر رائد المنهج التجريبي القائم على الملاحظة والتجريب، أو ما عُرف بالمنطق الاستقرائي، متجاوزاً بذلك المنطق الاستنباطي الذي أسَّس له أرسطو في زمن سابق. توفي سنة 1626م، تاركاً إرثاً معرفياً كبيراً تُوِّج بكتابه الأورجانون الجديد أو المنطق الجديد.
44- التفكير العلمي، مرجع سابق، ص 127.
45- السابق، ص 128.
46- السابق، ص 129.
47- السابق، ص 130.
48- السابق، ص ص 131- 132.
49- يقصد القرن الماضي، أي القرن العشرين.
50- التفكير العلمي، مرجع سابق، ص 148.
51- يمكن العودة إلى مجموعة من المراجع، مثل:
هل نسير إلى الهاوية لـ "إدغار موران".
بروموثيوس بلا قيود لـ "دافيد إس لاندس"
ثقافة أوروبا وبربريتها لـ "إدغار موران"...إلخ.
52- أشار "فؤاد زكريا" إلى بعض هذه المخاطر في كتابه التفكير العلمي. يمكن مراجعة الصفحات من 150- 153.
53-