‎+962795617139
info@philosopherman.com
Arabic flag
Arabic
Select a Language
Arabic flag
Arabic
English flag
English
0
في مديح المحبَّة
في مديح المحبَّة

في مديح المحبَّة

من الخلافات المُدمِّرة إلى الاختلافات المُثمرة

مركز الإنسان الفيلسوف
Written by مركز الإنسان الفيلسوف
Published on 26/04/2026
وقت الدراسة 25 Mins.
في مديح المحبَّة


المحبة: إسهام في إنقاذ البشرية




في مديح المحبَّة

من الخلافات المُدمِّرة إلى الاختلافات المُثمرة


معاذ بني عامر


تقديم:

بإزاء تاريخ مُثقل بكراهيات كبيرة وعميقة، أودت بحيواتِ أعدادٍ لا تُحصى من بني البشر؛ تُحاول هذه الورقة أن تنتصر لفكرة الاختلافات بينهم، بما هي فكرة لا تُؤسِّس لقيمة التعايش بما هي مطلب سياسي فحسب، بل لفكرة تقبُّل التعايش بما هي فكرة قارَّة في ضمائر الناس وعقولهم، إلى حدِّ ممارستها في واقعهم العملي، بشكلٍ طبيعي وعفوي، كجزء من سيرورة دائمة في المجتمعات الإنسانية، وعدم ارتهان تلك الممارسة لمتطلبات واشتراطات سياسية مؤقتة وعابرة وغير دائمة. ولكي تكون هذه الورقة أكثر جدوى في نتائجها، لا بُدَّ أن تكون أكثر إحكاماً على مستوى المقدمات، لذا فإني سأنطلق من البداية أو من الجذور التي انبنت عليها ثقافة الكراهيات بين بني البشر، وأوصلتنا إلى ما وصلنا إليه من هدر هائل ومؤذ، ليس لحيواتنا الجسدية فحسب، من قتل وتجويع وتخويف وترويع وتعذيب فحسب، بل ولحيواتنا الرُّوحية والعقلية أيضاً، من إهانة للكرامة الإنسانية وتحطيم للقيم العليا وتهشيم لقدرات العقل وطبعها بطابع وحيد مضاد لكل ما هو إبداعي وخلَّاق. ولأنَّ المقدمات، من جهة، التي أدَّت إلى الكراهيات المؤذية والمُدمِّرة ضخمة وهائلة؛ والمقدمات، من جهة ثانية، التي يمكن الاعتماد عليها في بناء فكرة تقبُّل التعايش، صغيرة وغير بارزة المعالم، فإنَّ هذه الورقة ستُساهم، بشكلٍ أو بآخر، في بلورة نتائج، حتَّى وإنْ كانت صغيرة، للمقدمات الصغيرة، كجزءٍ من سيرة تأصيلية لما هو أكثر إنسانية بين بني البشر. فكما تحوَّلت مقدمات الكراهية، مع الزّمن، من مقدمات بسيطة وصغيرة إلى مقدمات معقدة وكبيرة، وذات نتائج كارثية على مجمل الحياة البشرية. فكذلك يمكن الاشتغال على مقدمات، وإن كانت صغيرة ولا تحظى بقبول كبير، تقبُّل التعايش وتحويلها إلى جزء من السيرة العقلية والوجدانية والاجتماعية لبني البشر، وذلك عبر التأصيل لهذه المقدمات وتبيئتها في الأذهان أولاً وفي الأعيان ثانياً، إلى أن تحلَّ حلولاً كاملاً في حيواتنا، وتصبح ذات نتائج كبيرة وملموسة. ولأجل ذلك، وبعد أن نفهم الجذور ونؤشر عليها، فإني سأعمد إلى ذكر نصين على غاية من الأهمية في موضوع الورقة هذه: أولهما من الثقافة المسيحية، وهو جزء من رسالة الرَّسول بولس1 الأولى إلى أهل كورنثوس أو ما يُعرف اختصاراً بـ (نشيد المحبَّة). وثانيهما من الثقافة الإسلامية، وهو قصيدة (ألا يا حمامات الأراكة) لابن عربي2، أو القصيدة المعروفة بالبيت الأخير منها: أدينُ بدينِ الحُبّ...إلخ. وقد اخترت النصين لأهمية ما هو مُدوَّن بهما من تعاليم تَسدّ، من ناحية، أفق الكراهية بعد أن تُضيِّق الخلافات بين الناس إلى حدود قصوى، ومن ناحية ثانية تفتح أفق المحبَّة عن آخره، بعد أن تُوسِّع الاختلافات المُثمرة بين الناس إلى حدود قصوى أيضاً.

وعلى هامش هذين النصين، سآتي على ذكر جُملة من النصوص الأخرى، بحيث تُغطِّي الورقة مساحات واسعة من الثقافة الإنسانية، بما يُعزِّز المسلكية التي تنتهجها هذه الورقة، وهي التأسيس لمقدمات معرفية، وإنْ كانت صغيرة، تُساهم في بلورة نسق يدعم ثقافة التعايش وتقبُّل ذلك التعايش، بما هو مسلك ينسجم مع عَظَمَة الإنسان القيمي، الذي يبحث أساساً عمَّا يُعزِّز ثقافة الاختلاف المُثمرة بين بني البشر، ليبقى الإبداع ميزة كبرى له، ويُضيِّق الخناق على ثقافة الخِلاف المُدمِّر، التي أنهكت البشر وانتهكت حيواتهم وأتت عليها جميعاً.

الجذور:

ثمة مثال يمكن التأشير عليه ها هنا، نظراً لأهميته في هذا المقام؛ متعلق بخوف الإنسان من العقرب، مقابل عدم خوفه من السيارة مثلاً. فالخبرة الكبيرة التي تحصَّل عليها الإنسان، على مدار أزمان طويلة، في علاقته بالعقرب هي الخوف والتوجُّس وعدم الأمان، لذا فإنه يخاف ويرتدّ إلى الوراء بمجرد رؤيته لعقرب، رغم أن لدغة العقرب هي لدغة فردية وعلى الأغلب غير قاتلة، لكن تراكم الخبرات حولها، في المستويين العقلي والعملي، جعلت علاقته بها علاقة قائمة على الخوف بشكلٍ مبدئي وحاسم. في حين أن علاقته بالسيارة، كمثالٍ كما أشرت، هي علاقة ودٍّ وانسجام، رغم أنَّ السيارة قد تتحوَّل، بين لحظة وأخرى، إلى أداة قتل فتَّاكة وعلى مستوى جمعي هذه المرة. لكن الخبرة المُتراكمة حولها في أذهان البشر، لم تصل إلى حدِّ الاختمار بطريقة تتحوَّل معها إلى خبرة سلبية، بحيث يتراجع المرء أمامها، وتصبح نظرته إليها تماماً كنظرته للعقرب. خبرة الإنسان الخائفة تجاه العقرب عمرها مئات الآلاف من السنين، في حين أنَّ خبرة الإنسان تجاه السيارة لا يكاد يتجاوز القرن ونصف القرن، لذا لم يستطيع العقل البشري الجمعي أن يستوعب العقل خطورتها، ويبني بالتالي ذاكرة سلبية حولها، تتحوَّل مع الزمن إلى ذاكرة خائفة. فالعُمر الزمني غير كاف لمراكمة خبرات سلبية تجاهها، لكن يمكن أن يحدث الأمر، لا سيما مع الزيادة الكبيرة في أعداد السيارات ولدى مختلف المجتمعات البشرية، واقتران هذه الزيادة بزيادة أخرى متعلقة بنسبة الحوادث القاتلة التي تنتج عن استخداماتها الكثيرة والمتعددة.

هذا المثال يفتح الباب أمامنا لنرى أي علاقة تجمعنا، نحن بني البشر، بمنظومتي: 1- الكراهية. و2- المحبَّة. فالذاكرة الطويلة والمُتجذرة فينا جميعاً، ليس في جيناتنا على المستوى البيولوجي فحسب، بل وفي مورثاتنا الثقافية أيضاً، هي ذاكرة متجذرة أكثر بمنظومة الكراهية. وفي معرض حديثه عن هذا الإرث الغائر في أعماقنا يكتب "إريك فروم" في كتابه (تشريح التدميرية البشرية): "نميز بين نوعين من العدوان مختلفين كل الاختلاف. الأول، يشترك فيه [أي الإنسان] مع كل الحيوانات، وهو دافع إلى الهجوم أو إلى الفرار عندما تتهدد مصالحه الحيوية، وهذا الدافع مبرمج وفقاً للنشوء النوعي، فهذا العدوان الدفاي "غير الخبيث" هو في خدمة بقاء الفرد والنوع، ومكتيف بيولوجياً، ويزول عندما يزول التهديد عن الوجود. والنط الآخر، العدوان الخبيث، أي القسوة والتدميرية، خاص بالنوع البشري وغائب إجمالاً عند معظم الحيوانات... فالإنسان يختلف عن الحيوان بأنه قاتل؛ والإنسان هو الوحيد من فصيلة الرئيسيات الذي يقتل ويعذّب أعضاء نوعه من دون أي سبب، سواء أكان بيولوجياً أم اقتصادياً، والذي يشعر بالرضى في فعله ذلك"3 فالذي يُركِّز عليه "إريك فروم" أكثر من غيره في هذا المقام، وبرأيي أنه الأهم في تاريخ الجنس البشري، هو مورثاتنا الثقافية، أكثر من مورثاتنا البيولوجية. فالبيولوجيا تخلق نوعاً من العدوان الدفاعي أو العدوان غير الخبيث، لأنه يدافع عن مصالح الإنسان الحيوية، لكن يزول، أي هذا العدوان، بزوال السبب الدَّاعي إليه. أما المورثات الثقافية، التي نتجت بعد تطوُّر الوعي البشري، فهي الأخطر في تشكيل معالم عدوانيتنا وكراهياتنا، فعلى هامش الأنماط الثقافية نتجت حواجز كبرى بين البشر، ما أدَّى إلى مآسٍ بشرية كبرى. وقد تعمقت هذه المآسي في الأزمنة الحديثة، إذ كان من المفترض، وفقاً للمستويات غير المسبوقة من تطور الوعي البشري، أن تتوقف الحروب والمذابح والمجاعات والمآسي، لكن ما حدث كان العكس تماماً، بل يمكن القول إن القرن الأخير، أي القرن العشرين، وبدايات الألفية الجديدة، شهدت من المآسي والحروب ما يندى له الجبين، فكل التطوُّر العقلي لم يشفع للإنسان في أن لا يتحوَّل إلى غولٍ هائل يفتك بكلِّ شيءٍ يأتي في وجهه. فلقد "مَكَّنَ التقدم العلمي من إنتاج الأسلحة النووية وأسلحة أخرى للدمار الشامل، كيماوية وبيولوجية، وأتاح لها الانتشار الواسع. وتسبَّب التقدم التقني والصانعي في مسلسل من التدهور في المحيط الحيوي. وخلقت عولمة السوق الاقتصادية المفتقرة تقنين خارجي وإلى تقنين ذاتي حقيقي، جُزَيْرَات جديدة من الثراء، وخلقت مناطق متنامية من الفقر كما في أمريكا اللاتينية وفي الصين. وقد كانت هذه العولمة ولا تزال كذلك سبباً في خلق أزمات لا تفتأ في تناسل، وتسير في استاع واستشراء حتى باتت تتهدد بالفوضى والسديم. وقد صارت أشكال التطور الواقعة في العلوم والتقنيات والصناعة والاقتصاد، وهي المحرك اليوم للمركبة الفضائية الأرض، لا يحكمها من سياسة ولا أخلاق ولا فكر"4

ومما زاد الأمر سوءاً ووقاحةً، أن الإنسان استخدم عقله، الذي يُفترض أنه السبب الرئيسي في انتقاله نقلة هائلة على المستوى الإنساني، في تبرير أفعاله الوحشية، ما جعل الكراهيات تتعمَّق وتتجذر أكثر في المجتمعات الحديثة. وهو ما أدَّى، بدوره، إلى افتقاد الإنسان إلى أخيه الإنسان، أو افتقاد الإنسان إلى تجلياته الإنسانية على الإطلاق بالأحرى، ما حدَّ من سويته على النظر بعيون الآخرين. بل إنه، في نوبة هجوم غاشم، عَمِدَ إلى فقء عيني أخيه الإنسان، لأنه لا يُريده مُختلفاً عنه، بل تابعاً له ومُنساقاً خلفه، ومحض مُنشد في فرقته.

إذاً، تعمَّقت ثقافة الكراهية بفعل الذاكرة البشرية المُتخمة بالتوجُّس والخوف المبدئي من الآخر على الإطلاق. وإذا كانت المورثات البيولوجية مسؤولة مسؤولية مباشرة عن تجذير انتماءات الكائن البشري، ما جعله يتخذ موقفاً دفاعياً عن كل المُختلفين عنه، لا سيما أولئك الذين يُريدون تهديد نوعه، أو تهديد مصالحه الحيوية وفقاً لتعبير "إريك فروم". فإنَّ المورثات الثقافية هي الأشد خطورة في هذا المقام، فالإنسان تحصَّلَ مع الزمن على تَرِكَةً كبيرة من الكراهيات التي أثقلت عقله وروحه ووجدانه، وحتَّى جسده، بأحمالٍ جعلته يكره الآخرين ويقسو عليهم، ويُسعد بنبذهم، وينتشي باستعبادهم، ويتشفى بترويعهم، ويستلذ بتعذيبهم، ويتغنى بقتلهم في نهاية المطاف. ولأنَّ الأمر كذلك، أي مُتعلق بالمورثات الثقافية، فإنَّ هذه الورقة تسعى إلى قلب الآية، أو بالأحرى تُريد أن تنظر إلى جذر المورثات الثقافية نظرة مختلفة، لغاية التأسيس لنسقٍ معرفي جديد يمكن البناء عليه في توريث هذه المورثات الثقافية بطريقة مختلفة عمَّا هو سائد. أي الاشتغال على نسق معرفي يُعمِّق ويُرسِّخ ثقافة المحبَّة بين الشعوب، من خلال التأشير على جُملة من النصوص الاستثنائية في الثقافات الإنسانية المختلفة، ما يُفضي إلى تحوُّل، بالتقادم، هذا النسق إلى جزء من الذاكرة البشرية الفاعلة في الاجتماع الإنساني.

هل هذا شيء صعب على الإنسان من ناحية، أعني بناء نسق معرفي يُمجِّد المحبَّة ويسعى إلى توطينها في الذاكرة البشرية، ومن ناحية ثانية، هل تطبيق هذا النسق عسير من ناحية ثانية؟

أنا أقول، إنصافاً ليس للواقع المأساوي الذي تعيشه البشرية اليوم فحسب، بل إنصافاً لعقولنا المُتخمة بكراهيات قاتلة ومميتة: نعم، إنه شيء صعب أن يُؤسِّس الإنسان لنسقٍ معرفي يدعم فكرة تقبُّل الآخر كشرطٍ مُسبق لتعميم ثقافة المحبَّة بين بني البشر؛ والأصعب هو التزام الإنسان بهذا النسق على المستوى التطبيقي، لأنه يستلزم تأسيساً ذهنياً أو ترميماً ذهنياً لحالة العطب الهائلة التي يُعاني منها بفعل مورثات الكراهية التي وصلته جاهزة وناجزة. إنه مسار صعب، لكنه ليس مستحيلاً، ففي كل العصور انتبهت ثلة من أصحاب العقول الكبيرة إلى الجانب الخيِّر، المُحبّ، المعطاء في الإنسان، لذا حاولت استثارت هذا الجانب، لما يمكن أن يحققه من معجزات بشرية في الواقع العملي. ولكي يكون الموضوع أكثر تأطيراً في هذه الورقة، فإني سآخذ نصين مركزيين: أولهما من الثقافة المسيحية، وثانيهما من الثقافة الإسلامية، وعلى هامشهما سأذكر جملة من النصوص المختلفة، وسأجتهد أن تكون هذه النصوص شاملة للعديد من الثقافات الإنسانية، في تأشير واضح أن نسق المحبَّة المعرفي موجود فعلاً، لكنه نسق مُهْمَل، مَنْسِي، وهامشي، ولا يُشكِّل نقطة مركزية في عموم الثقافات على المستوى الجمعي، لذا لم تُؤتي أُكلها كما ينبغي لها أن تفعل ذلك، وإنْ أتت فعلى المستوى الفردي فحسب، إذ تبنَّى تلك الأنساق أفراد يمكن التأشير عليهم وعدَّهم، لقلتهم في التاريخ كله. لكن هذه المنزع الفردي يمكن أن يتوسَّع ويُصبح نسقاً فاعلاً على مستوى المجتمعات ككل، فكل الأفكار الطموحة والقوية والإبداعية، بدأت بأفراد ثم انتهت، مع تكرارها طرَّاً في الزمن، بشعوبٍ وأمم.

النص الأول: نشيد المحبَّة أو رسالة بُولُس الرَّسول الأولى إلى أهل كورنثوس5

لقد تضمَّنت هذه الرِّسالة6 تنويهاً معرفياً بالغ الأثر، ليس في حياة الأفراد فحسب، بل وفي حياة الأمم والشعوب. فالمحبَّة ركيزة أنطولوجية في هذا العالَم، وبدونها لا بُدَّ أن تحدث اختلالات جوهرية في بنيته، يدفع الأفراد والشعوب ثمنها باهظاً، وهذا ما حدث ويحدث الآن وسيحدث في المستقبل إذا لم نُوطِّن ثقافة المحبَّة، ونتخذها نهجاً أصيلاً في حياتنا.

"لَو تكَلَّمتُ بِلُغاتِ النَاسِ والملائِكَةِ، ولا مَحبَّةَ عِندي، فما أنا إِلاَّ نُحاسٌ يَطِنُّ أو صَنْجٌ يرنُّ. ولَو وهَبَني اللهُ النُّبُوَّةَ وكُنتُ عارِفًا كُلَّ سِرٍّ وكُلَّ عِلمٍ، وليَ الإيمانُ الكاملُ أنقُلُ بِه الجِبالَ، ولا مَحبَّةَ عِندي، فما أنا بِشَيءٍ. ولَو فرَّقْتُ جميعَ أموالي وسَلَّمْتُ جَسَدي حتّى أفتَخِرَ، ولا مَحبَّةَ عِندي، فما يَنفَعُني شيء. المَحبَّةُ تَصبِرُ وتَرفُقُ، المَحبَّةُ لا تَعرِفُ الحَسَدَ ولا التَّفاخُرَ ولا الكِبرِياءَ. المَحبَّةُ لا تُسيءُ التَّصَرُّفَ، ولا تَطلُبُ مَنفعَتَها، ولا تَحتَدُّ ولا تَظُنُّ السُّوءَ. المَحبَّةُ لا تَفرَحُ بِالظُّلمِ، بَلْ تَفرَحُ بالحَقِّ. المَحبَّةُ تَصفَحُ عَنْ كُلِّ شيء، وتُصدِّقُ كُلَّ شيءٍ، وتُرجو كُلَّ شيء، وتُصبِرُ على كُلِّ شيء. المَحبَّةُ لا تُزولُ أبدًا. أمَّا النُّبوّاتُ فتَبطُلُ والتَّكَلُّمُ بِلُغاتٍ ينتهي. والمَعرِفَةُ أيضًا تَبطُلُ، لأنَّ مَعرِفَتَنا ناقِصَةٌ ونُبوّاتِنا ناقِصةٌ، فمَتى جاءَ الكامِلَ زالَ الناقصُ. لمَّا كُنتُ طِفلًا، كَطِفلٍ كُنتُ أتكَلَّمُ وكَطِفلٍ كُنتُ أُدرِكُ، وكَطِفلٍ كُنتُ أُفكِّرُ، ولمَّا صِرْتُ رَجُلًا، تَركْتُ ما هوَ لِلطِّفلِ. وما نَراهُ اليومَ هوَ صُورةٌ باهِتَةٌ في مِراةٍ، وأمَّا في ذَلِكَ اليومِ فسَنَرى وَجهًا لِوَجهٍ. واليومَ أعرفُ بَعضَ المَعرِفَةِ، وأمَّا في ذلِكَ اليومِ فسَتكونُ مَعرِفَتي كامِلَة كمَعرِفَةِ اللهِ لي. والآنَ يَبقى الإيمانُ والرَّجاءُ والمَحبَّةُ، وأعظَمُ هذِهِ الثَّلاثَةِ هيَ المَحبَّةُ"7

فأي موقف يكون فيه الإنسان، ولا يحتوي، ليس في تجلياته البَعْدية فحسب، بل في جوهره العميق أساساً، أو ضمن مُنطلقاته القَبْلية، على المحبَّة، فهو موقف ناقص ويعتوره الكمال الإنساني المنشود. فالمحبَّة ركن أساسي من الأركان القيمية التي تُصبح المنظومة الحياتية بدونها منظومة مُخيفة ومُرعبة ومُنهيةً للحيوات ومُدمِّرة لها. فـ: 1- التعدُّد الثقافي، وفقاً لأدبيات رسالة الرَّسول بُولس، الذي يمكن أن يتجلَّى في اللغات المُختلفة، يُصبح محض أصوات فارغة، ولا معنى لها "نحاس يطنُّ أو صَنْجٌ يرنُّ"، إنْ لم يقترن هذا التنوُّع الثقافي بالمحبَّة أو يُؤسَّس، منذ لحظاته الأولى، على المحبَّة. و2- البُعد الدِّيني، يُحوِّل صاحبه إلى شخص فارغ من المعنى، إنْ لم يُقرن تدُّينه بالمحبَّة، بما هي الرِّسالة الأخيرة لأيِّ دين إنساني. و3- البذل والعطاء، سواء أكان جسدياً أم مالياً، يفقد قيمته، ويصبح لا شيء إذا لم يُؤسَّس على المحبَّة. و4- المحبَّةُ تُؤسِّسُ للإنسان أخلاقياً في هذا العالَم، إذ تُطهِّرهُ من الدَّاخل، وذلك بتنظيفه من العوالق والأشنات المُترسبة في أعماقةـ كالكبرياء والحسد والبُغض...إلخ. ما ينعكس إيجاباً على مواقفه المختلفة في الحياة، فتُصبح أكثر رحمة وخيراً وعطاء. و5- المحبَّة نصيرةٌ للحقّ، بما هو أحد القيم الإنسانية العليا. و6- المحبَّةُ تُؤسِّس لثقافة الغفران8، بما هي أحد مراحل التسامح التي يمكن أن تصل إليها البشرية، في حال تحقَّقت عملياً. و7- المحبَّة رمز إنساني خالد؛ عابر للأذهان والأزمان، لذا يمكن للإنسان الحقّ، أن يتحقَّق فيه أفضل تحقُّق على الإطلاق.

فهذا النصّ، نصٌّ تأسيسي يمكن أن يُلهم الأفراد، وذلك بحثِّهم على حياة فضلى. ويمكن لهذا أن النصّ أن يتحوَّل إلى برنامج عمل على المستوى التربوي بالنسبة للأمة جمعاء، بحيث تترسَّخ هكذا ثقافة في أذهان الناس، إلى أن يُصبح تطبيقها في الواقع العملي، مسألة في غاية العفوية والسهولة، فهي طبع أصيل في تكوين الأفراد، وليس مجرد تطبّع مرحلي، يتم إنشاؤه لأسباب سياسية في الغالب.

النص الثاني: قصيدة (ألا يا حمامات الأراكة) لابن عربي9

وقد عمدت إلى اختيار هذا النص لسببين: الأول أنه نصٌّ ساحر، مبنىً ومعنىً. فالمباني التي أجهد ابن عربي عقله في سَكِّها وصَبِّ مبانيها، خرجت ناعمة مثل الحرير، وسلسة مثل الماء؛ ما جعل معناها يحفر عميقاً في نفس القارئ، بما يتجاوز فعل القراءة ذاته. فالماء الذي يسير رقراقاً بنعومة في الجداول، هو نفسه القادر على نحت الصخور مع الزَّمن. تماماً كما في قصيدة (ألا يا حمامات الأراكة) لابن عربي. والثاني: أنَّ هذا النص امتداد لتاريخ عريق من التصوُّف في الثقافة الإسلامية، فالمرحلة التي أتى بها ابن عربي تتويج للمراحل التي سبقتها، لذا يأتي النص كتعبير صادق وأمين عن هذه المراحل مجتمعة.

ألا يا حَماماتِ الأراكَةِ والبَانِ ترَفّقْنَ لا تُضْعِفْنَ بالشجوِ أشجاني

تَرفّقْنَ لا تُظهرنَ بالنّوح والبُكا خفيَّ صَباباتي ومكنونَ أحزاني

أُطارحُها عندَ الأصِيلِ وبالضحى بحَنّةِ مُشْتاقٍ وأنّةِ هَيْمانِ

تَناوَحَتِ الأرواحُ في غيضَة الغضا فمالَت بأفنانٍ عليّ، فأفْناني

وجاءت من الشوْق المبرّح والجوَى ومن طُرَفِ البَلْوَى إليّ بأفْنَانِ

فمَن لي بجمعٍ والمحصَّب من مِنى ومَن لي بِذاتِ الأثْلِ، مَن لي بنَعمان

تَطوفُ بقلبي ساعةً بعد ساعةٍ لوَجدٍ وتبريحٍ وتَلثُمُ أركاني

كما طافَ خيرُ الرُّسلِ بالكعبةِ التي يقولُ دليلُ العقْلِ فِيها بنُقصَانِ

وقبّلَ أحجاراً بها، وهو ناطقٌ وأينَ مقَامُ البيتِ مِن قدرِ إنسانِ

فكَم عَهِدَتْ أن لا تحولَ وأقسمت وليس لمخضوبٍ وفاءٌ بأيمانِ

ومن عَجَبِ الأشياءِ ظَبْيٌ مُبَرْقَعٌ يُشيرُ بعُنَابٍ، ويومي بأجفانِ

ومَرعاهُ ما بينَ التّرَائبِ والحَشَا ويا عَجَباً من روضةٍ وَسطَ نيرَانِ

لقد صارَ قلبي قابلاً كلَّ صورَةٍ فمَرْعَى لغِزْلانٍ، وديرٌ لرُهبانِ

وبيَتٌ لأوْثانٍ وكعبةُ طائفٍ وألوَاحُ تَوْراةٍ، ومُصْحَفُ قُرآنِ

أدينُ بدينِ الحُبّ أنّى توَجّهتْ رَكائِبُهُ، فالحُبُّ ديني وإيماني10

وحقيقة، هذا نصٌّ لافت على المستوى الإنساني، لأنه يشي بالإمكان الذي وصل إليه –من جهة- ابن عربي بما هو ذات إنسانية، ويشي بالإمكان، من ناحية ثانية، الذي يمكن أن تصل إليه أي ذات إنسانية على الإطلاق. فإِنْ كان الإمكان الأول إمكان حصل في الماضي، والإمكان الثاني إمكان برسم الزمن على الإطلاق، ابتداءً من هذه اللحظة، لذا فإنه مُشْرَعٌ للتمثُّل من قبل أي إنسان وفي أي مكان. فالحالة التي مرَّ بها ابن عربي وعبَّر عنها في قصيدته (ألا يا حمامات الأراكة)، تحديداً من البيت الأول وحتى البيت الثاني عشر، كانت بمثابة المقدمات للنتيجة الكبرى التي عَبَرَ فيها من كونه فرداً مولود في زمن ما ومكان ما ومُنتم إلى ثقافة ما، إلى فردٍ مُطْلق عابر للأذهان والأزمان والأمكنة والثقافات. من البيت الأول وحتى البيت الثاني عشر، كانت علاقة ابن عربي بثلاثية: 1- الأفكار. 2- الأشياء. 3- الأشخاص، تأخذ طابعاً حِبِّياً، إلى أن تجلَّت تجليها الأخير في الأبيات الثلاثة الأخيرة:

لقد صارَ قلبي قابلاً كلَّ صورَةٍ فمَرْعَى لغِزْلانٍ، وديرٌ لرُهبانِ

وبيَتٌ لأوْثانٍ وكعبةُ طائفٍ وألوَاحُ تَوْراةٍ، ومُصْحَفُ قُرآنِ

أدينُ بدينِ الحُبّ أنّى توَجّهتْ رَكائِبُهُ، فالحُبُّ ديني وإيماني

ففي هذه الأبيات فتح ابن عربي باب المحبَّة على مصراعيه، فأَدْخَلَ الكائنات جميعها إلى قلبه الواسع. لكن هذه المُدخلات لا تعني تخلِّي ابن عربي عن هُويَّته، بقدر ما هو انفتاح هائل على هُويَّات الآخرين، دونما شطب أو إلغاء لتلك الهُويَّات، مثلما الأمر ذاته بالنسبة لهُويَّته؛ لكنه رَحِم ولَّاد، وليس قبر مُميت. فالنسق المعرفي الذي يبنيه ابن عربي في هذا النص الجاذب والمُلفت، ينطوي على إمكان استيعابي، بسبب جرعة المحبَّة الكبيرة، ليس للأفراد فحسب، بل للأمم والشعوب أيضاً. صحيح أنه انطلق من فرد واحد، لكن أي مشروع في التاريخ كله، لم يبدأ بفردٍ واحد؟

إذاً، تحدثتُ فيما سبق عن نصين مركزيين: أولهما من الثقافة المسيحية، وهو رسالة الرَّسول بولس الأولى إلى أهل كورثنوس أو ما يعرف اختصاراً بـ (نشيد المحبة). وثانيهما من الثقافة الإسلامية، وهو قصيدة (ألا يا حمامات الأراكة) لابن عربي أو القصيدة التي تُعرف بالبيت الأخير منها: أدينُ بدينِ الحُبّ...إلخ. فهما نصَّان ينتميان إلى حضارتين مركزيتين، ويمكن لنتائج توطين هكذا كتابات في المناهج التربوية، عبر مراحلها المختلفة، وخلق فضاء عام لا يستغربها أو يستهجنها أو يستنكر أتباعها، ولا يشعر بحالةٍ اغترابية ناحيتها، لأنه لم يتعود على أمثالها؛ أن تُؤتي، لا سيما إذا ما تراكم هذا التوطين وصار جزءا لا يتجزأ من المُخيلتين: العالِمة والشعبية، وتُساهم مساهمة فاعلة في تعزيز ثقافة المحبَّة بين أبناء الحضارة الواحدة ابتداءً، وعلى مستوى الحضارات الإنسانية عامةً لاحقاً.

بإزاء النصَّان السابقان: 1- نص الرَّسول بولس. 2- ونص ابن عربي. ثمة نصوص أخرى موازية ومن ثقافات مختلفة، يمكن جلبها وإبرازها إلى واجهة العلاقات الإنسانية بين أصحاب الثقافات المختلفة والمتعدِّدة، لتعزيز نهج الاختلافات المضبوطة بمرجعية أخلاقية كبيرة، وعدم ترك الأمر للخلافات غير المضبوطة بأية مرجعية أخلاقية، بل بمصالح سياسية واقتصادية وإثنية ودينية وحضارية. وفي هذه الورقة، تعزيزاً لمنهجيتها القائمة على الإسهام في تعزيز مساحة الاختلافات المُثمرة والحدّ من سطوة وحضور الخِلافات المُدمِّرة، فإني سأعمد إلى ذكر جُملة من النصوص تُشكِّلُ في مجملها، أو يمكن أن تُشكِّل في مجملها خريطة صغيرة لمعالم ثقافية كبيرة تُعزِّز ثقافة المحبَّة. على أن أكتفي، في هذا المقام، برسم معالم هذه الخريطة دونما إغراق في شرح النصوص، كما فعلت في نصي: رسالة الرَّسول بولس وقصيدة ابن عربي، فالنصوص التي أذكرها هي على هامش هذين النصين في هذه الورقة، لكنها نصوص مركزية أيضاً خارج هذه الورقة، لكن هامشيتها هنا هي كمَّاً وليس نوعاً، أي أن المساحة المُخصَّصة لها أقل من المساحة التي خصصتها لرسالة الرسول بولس وقصيدة ابن عربي. وهذا بطبيعة الحال، حتى لا يتسَّع المجال أكثر من اللازم، على أن يبقى المجال مفتوحاً لأتحدث عن هذه النصوص اللافتة في مقامات أخرى ومقالات أخرى.

وبناء عليه، فالكتاب الأول الذي اقترحه لتجسيد جزء من معالم الخريطة الثقافية المُعزِّزة لثقافة المحبَّة، فهو كتاب (الطاو: تي- تشينغ: انجيل الحكمة الطاوية في الصين) لـ "لاو تسو"11، فالنص يضع الإنسان على الإطلاق في موقف وسط من كل شيء، بما يجعل من تقبُّله لفكرة التعايش والاختلاف فكرة من صُلب سيرورة حياته، وليس مجرد حدث طارئ، لسببٍ أو لآخر، في هذه السيرورة:

"في السكن، ما يهم هو الحيز الذي يسد حاجتك؛

في صفات العقل، ما يهم هو العمق؛

في صلات الصداقة، ما يهم هو المودة؛

في الكلام، ما يهم هو الصدق؛

في الحكم، ما يهم هو النظام،

في الشغل، ما يهم هو البراعة؛

في التنفيذ، ما يهم هو التوقيت"12

أما الكتاب الثاني فهو كتاب: (كلستان: روضة الورد) لـ "سعدي الشيرازي". وحقيقة، هذا الكتاب اسم على مُسمَّى، فهو فوَّاح براوئح زكية تنبع من أعماق الذَّات الطامحة، انطلاقاً من قيمها الإنسانية العليا، إلى تحقُّق هذه الذَّات في نسق تعايشي، تشاركي، وقائم على الحُبِّ. "إذا ما دعا للحرب يوماً معاندٌ فحارْ به مضطراً وإلا فسالمِ. وبحكم الضرورة جاريته بالكلام وباريته في نزهة ربيعية حيث: سكنَت صولةُ البرد وآن أوانُ دولة الورد"13فالنَفَس الإنساني العظيم الذي تمثَّلَهُ "سعدي الشيرازي" كان سبباً رئيسياً في اختيار "منظمة اليونسكو يوم 21/ أبريل/ نيسان باعتباره اليوم العالمي لإحياء ذكرى الشاعر الفارسي العالمي سعدي الشيرازي، أحد أعمدة الشعر الفارسي اعترافاً وتقديراً لدوره وقصائده التي عززت أواصر المودة والإخاء بين إيران والعالم وجاوز آفاق وطنه، إلى مواطن الحضارة العربية والإسلامية، وبلغت شهرته العالم بأسره"14

أما الكتاب الثالث فهو كتاب: (الحكمة القديمة والعالَم الحديث) لـ "الدلاي لاما"15، فالدلاي لاما يُحاجج في كتابه هذا بضرورة التأسيس لأخلاق عالمية تسعى إلى بثِّ ثقافة المحبَّة والتسامح بين بني البشر، أيّاً كانت دياناتهم وعقائدهم ومرجعياتهم الثقافية. بما يتجاوز حالة التشنُّج والاستقطاب الديني الحادة التي تعيشها البشرية وتُهلك حيواتها. فهو يدعو إلى "حوار مع باقي أعضاء الثقافات الدينية الأخرى الذي يمكن أن يحدث بطريق مختلفة: النقاش بين الباحثين الذين تناولوا بالبحث الاختلافات والنقاط المشتركة للديانات المختلفة.. اللقاءات بين المؤمنين من كافة الطوائف، لقاءات عارضة بين مسؤولين دينيين للصلاة لأجل قضية مشتركة... فعندما تمارس نشاطات كهذه، فالذي يمارس تقليداً ما سيكتشف أن الديانات الأخرى، كديانته، تشكل مصدراً للإلهام الديني ودليلاً للسلوك في نفس الوقت"16

أما الكتاب الرَّابع فهو كتاب (الذاكرة، التاريخ، النسيان) لـ "بول ريكور"17، تحديداً فصل (الغفران الصعب)18. إذا كان النسيان هو من صُلب اشتغالات الذَّاكرة، فإنَّ الفغران هو من صلب اشتغالات العقل الأخلاقي الواعي، أو الإرادة الحُرَّة إذ تتفوق على عمل الأرشيف الذي يمكن أن تتوارى التواريخ فيه أو تظهر وفقاً لاشتراطات غرائزية أو سياسية أو دينية...إلخ. الإرادة الحُرَّة تتخذ قراراً صعباً، لكنه مصيري في التأسيس لثقافة التعايش والمحبَّة، بعمل إزاحة إبيستمولوجية في السياق كُلِّه، بما يتجاوز عمل الأرشيف برُمَّته.

أما الكتاب الخامس فهو كتاب: (الهندي المولع بالحجاج: كتابات عن تاريخ الهند وثقافتها وهويتها)19 لـ "إمارتيا صن". في كتابه هذا يُضيّق إمارتيا صن الخلافات المُدمِّرة بين الشعوب إلى حدودها القصوى، ويُوسِّع الاختلافات المُثمرة إلى حدودها القصوى أيضاً. إنه وريث سُلالة من العظماء، كالشَّاعر كبير والروائي طاغور، الذين بلوروا صورة ناصعة ومشرقة عن الثقافة الهندية وامتداداتها العالمية.

أما الكتاب السادس فهو كتاب (الهجرة إلى الإنسانية)20 لـ "فتحي المسكيني"21. إنه كتاب مفتوح على خيارات إنسانية مُؤسَّسَة على الحُبِّ. "فالحياة [وفقاً لما يكتب فتحي المسكيني] هي إمكانية المحبّة المتاحة للبشر في أفق مجتمع ما. لكن الحبّ مهدّد دوما بذاكرة لا تثق به". هذه الإمكانية يتمثلها المسكيني في كتابه، بما يكسر قسوة المورثات الثقافية التي تتربَّى عليها البشرية، أو، بمعنى آخر، يتجاوز الذاكرة التي لا تثق بالحب إلى الإرادة الحُرَّة، بما هي من صلب اشتغالات الفيلسوف البارز، التي تُؤمن بالمحبَّة وإمكاناتها المتاحة.

أما الكتاب السابع فهو رواية: (الجريمة والعقاب) لـ "فيدور دوستويفسكي"22. على اعتبار أنَّ الجريمة التي ارتكبها بطل الرواية "راسكولنكوف" كانت جريمة عظيمة، لكن العقوبة كانت أعظم. لأنها اقترنت بيقظة ضمير راسكولنكوف، قبل أن تأخذ بُعداً قانونياً. وهو طرح قريب من طرح الحكيم الصيني "صن تسو" في كتابه (فن الحرب)، فإذا قامت الحرب، والأصل أن لا تقوم، فالأولى والأصح إنهاؤها بأقل الخسائر. إنَّ راسكولنكوف، مرحلة ما بعد التكفير عن جريمته، يمكن أن يتحوَّل إلى مُكوّن أساسي من ضمائرنا، أي أن نستفيد من راسكولنكوف البَعْدي، وليس راسكولنكوف القَبْلي.

أما الكتاب الثامن فهو كتاب: (ثلاثة أكواب من الشاي)23 لـ "جريغ موتنسون" و"ديفيد أوليفر ريلين". وهو كتاب لافت عن التقاء عقلين: أحدهما عالِم وثانيهما شعبي؛ عقلين من حضارتين مختلفتين، تبادلا الخبرات الإنسانية بعفوية صادقة. تاه "جريغ موتنسون" على سفوح الهيملايا، فساعده أهل قرية مُعلقة بين السماء والأرض. في ردِّه للمعروف الذي حظي به من قبل أولئك الناس البسطاء، الطيبين، ساهم جريغ في بناء مئات المدارس لتعليم أهالي تلك القرى، ما ساعدهم على تحسين ظروف حياتهم وإنقاذ حيواتهم.

إذاً، هذه ثمانية كتب، تُضاف إلى: 1- رسالة الرَّسول بولس الأولى إلى أهل كورنثوس. 2- قصيدة (ألا يا حمامات الأراكة) لابن عربي، فتصبح عشرة، أعود وأنوِّهُ إلى عدة نقاط فيما يتعلق بها، وبشبيهاتها من النصوص والكتب المختلفة:

أولاً: البدء بالأخذ بمتونها فوراً، فكما ساهمت المورثات الثقافية التي نشأت عليها البشرية من تدمير حيوات شعوبها، كذلك يمكن لهكذا متون أن تُساهم في إحياء حيوات البشر والارتقاء بها مرتقيات عظيمة. أي تأخير هو تعميق لكارثة الكراهيات وعدم تقبُّل الآخر وشطب وجوده وافتعال مزيد من الخلافات المُدنرة.

ثانياً: مع الإيمان بضرورة الأخذ بهذه المتون فوراً، لكن عدم استهسال الأمر من جهة وعدم الاستعجال في ظهور النتائج، بل الإصرار على الاستمرار في الأخذ بها إطلاقاً. فمسار المحبَّة مسار شاق لأرواحنا، لأننا سنتخلى عن تَرِكات كبيرة وراسخة كُنَّا قد توارثناها جيلاً إثر جيلاً. لذا فإنَّ الإزاحة التي ستحدث في حال تَرَسَّخَ نسق المحبَّة، هي بالأكيد إزاحة أنطولوجية، لأنها ستُعدِّل موقفنا كاملاً من الوجود على الإطلاق. وعليه، لا ينبغي أن نستسهل الأمر أو نستعجله.

ثالثاً: أن تُعمَّم هكذا متون على مختلف أتباع الثقافات الإنسانية، ما يُفضي إلى تهيئة المجال العام لتكون فاعلة على المستويين الذهني والتطبيقي.

رابعاً: البناء عليها، أي الانتباه إلى أي متن أو نص أو حتى فيلم أو لوحة تُساهم في تعزيز ما هو مُختلف مُثمر بين بني البشر، وتعطيل ما هو خلافي مُدمِّر.




الهوامش 

1- في حي يهودي في مدينة (طرسوس) وفي سنة 4م تقريباً، "إذ كان يسوع لا يزال طفلا على ذراعي امه في الناصرة، وُلد طفل، كان معيَنا أن يكون عظيما في كل الأجيال التالية بحياته وكلماته، وأن يبعث في نفوس البشر نورا جديدا بصدد اعتقاداتهم الدينية. ولعله، عند ختانه، قد اكتسب اسما مزدوجا: اسم شاؤول، وهو اسم العائلة، واسم بولس لعالم التجارة والحياة المدنية. نشأ من أصل عبراني قح: عبراني من العبرانيين، كانت أنسابه أصيلة من كلتا الناحيتين، لم يكن هنالك اصل أممي [هكذا في الأصل، وليس ثمة توضيح لمعنى هذه الكلمة] في دمائه، ولا نسب غريب في تحدّره. ولا بد أن أباه كان ذا مركز ممتاز، وإلا لما وصل إلى الرعوية الرومانية التي كان يطمع فيها الكثيرون، ومع أنه كان يعيش بعيدا عن فلسطين، فإنه لم يكن يهوديا يونانيا

2- ماير، ف.ب، حياة يسوع، ترجمة القمص مرقس داود، مكتبة المحبة. 

3- ابن عربي، هو محمد بن علي بن محمد بن أحمد، الطائي الحاتمي المُرسي، المعروف بمحيي الدين ابن العربي، والملقب بالشيخ الأكبر. ولد سنة 560هـ/ 1165م بمرسية في الأندلس، وانتقل إلى إشبيلية. وتنقل في البلاد فزار المغرب وكتب الإنشاء لبعض الأمراء فيها، زار مصر... كان ذكياً كثير العلم، زاهداً، متفرداً متعبداً متوحداً.

4- محمد بن علي بن محمد الطائي الحاتمي المرسي، الشيخ الأكبر أبي بكر محيي الدين، ديوان ابن عربي، ط1، 1996، شرح أحمد حسن بسج، دار الكتب العلمية، بيروت. 

5- فروم، إريك، تشريح التدميرية البشرية، ج1، 2006، ترجمة، منقذ الهاشمي، محمود، منشورات وزارة الثقافة السورية، دمشق، سورية، ص ص 38- 39. 

6- موران، إدغار، هل نسير إلى الهاوية، 2012، ترجمة، حزل، عبد الرحيم، أفريقيا الشرق، المغرب، ص 11. 

7- اعتمدت على نسخة الكتاب المقدس (العهد الجديد)، الصادر عن جمعية الكتاب المقدس في لبنان، العهد الجديد، الإصدار الرابع 1993، ط30. 

8- هي رسالة طويلة ومتعددة الأغراض، لكني أخذت منها ما هو خاص بموضوع هذه الورقة. 

9- الكتاب المقدس (العهد الجديد)، المرجع السابق، ص ص 264- 265. 

10- يمكن مراجعة فصل (الغفران الصعب) من كتاب (الذاكرة، التاريخ، النسيان) لـ "بول ريكور"، إذ تحدَّث بإسهاب عن هذا المنزع الإنساني الهائل. 

11- اعتمدتُ في نقل هذه القصيدة على ديوان (ترجمان الأشواق)، للشيخ الإمام محيي الدين بن علي ابن العربي، ط1، 2005، اعتنى به عبد الرحمن المصطاوي، دار المعرفة، بيروت. 

12- المرجع السابق، ص ص 58- 61. 

13- "لاو تسو" حكيم صيني غامض السيرة، عاش حياته خلال الفترة الواقعة بين أواسط القرن السادس وأواسط القرن الخامس قبل الميلاد.

14-  من مقدمة الترجمة العربية لكتاب الطاو، ص 5.

15- تسو، لاو، التاو: تي تشينغ: انجيل الحكمة التاوية في الصين، ترجمة فراس السواح، ط1، 1998، دمشق. 

16- المرجع السابق، ص 42. 

17- الشيرازي، سعدي، كلستان: روضة الورد، ترجمة محمد الفراتي، 2012، منشورات وزارة الثقافة السورية، دمشق، ص 17. 

18- سعدي الشيرازي: شاعر الإنسانية والقيم الأخلاقية، عن موقع وكالة الجمهورية الاسلامية للانباء (ارنا)، على الرَّابط التالي:

https://ar.irna.ir/news/85089168/%D8%B3%D8%B9%D8%AF%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D8%B2%D9%8A-%D8%B4%D8%A7%D8%B9%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D9%84%D8%A7%D9%82%D9%8A%D8%A9 

19- الدلاي لاما هو الزعيم الرُّوحي الأعلى للبوذيين التبتيين. له حضور لافت وواسع في حوار الأديان والحضارات. 

20- لاما، الدلاي، الحكمة القديمة والعالم الحديث، ترجمة راغدة خوري، 2015، دال للنشر والتوزيع، دمشق. 

21- فيلسوف وناقد فرنسي ولد بداية القرن العشرين، وعاش زمنا طويلا ما مكَّنَهُ من عيش حيوات كثيرة وويلات كبيرة. وهذا ما جعله يُطوّر حسَّه الإنساني بشكل لافت. عُرف أكثر ما عُرف بكتابه الضخم: (الزمان والسرد). من كتبه أيضاً: الإنسان الخطَّاء/ الذات عينها كآخر...إلخ. 

22- ابتداء من الصفحة 661، وحتَّى نهاية الكتاب. 

23- أنجز الأستاذ "فاضل جنكر" ترجمة الكتاب للعربية وصدر عن هيئة البحرين للثقافة والآثار 

24- المسكيني، فتحي، الهجرة إلى الإنسانية، 2016، كلمة للنشر والتوزيع، تونس. 

25- فتحي المسكيني، فيلسوف تونسي يشغل منصب أستاذ الفلسفة في الجامعة التونسية. له عديد من المؤلفات، منها: الهجرة إلى الإنسانية، والكوجيطو المجروح: أسئلة الهوية في الفلسفة المعاصرة، وفلسفة الأشياء الصغيرة. والفيلسوف والإمبراطورية: في تنوير الإنسان الأخير...إلخ. 

26- واحد من أبرز الروائيين العالميين على مر العصور. ترك إرثاً هائلاً من الأعمال الأدبية الخالدة كرواية الأخوة كارامازوف، والمراهق، والأبله، والشياطين...إلخ. 

27- أنجزت ترجمة الكتاب للعربية وفاء طقوز وصدر عن دار التكوين في سوريا. 



قائمة المصادر والمراجع:

مرتبة حسب ظهورها، تباعاً، في متن المقالة:

1- حياة يسوع، ماير.ف.ب، ترجمة القمص مرقس داود، مكتبة المحبة القبطية الارثوذكسية بالقاهرة، دت.

2- ديوان ابن عربي، الشيخ الأكبر محيي الدين محمد بن علي بن محمد الطائي
الحاتمي المرسي، شرح أحمد حسن بسج، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1،
1996.

3- تشريح التدميرية البشرية، ج1، إريك فروم، ترجمة منقذ الهاشمي، منشورات وزارة الثقافة السورية، دمشق، سورية، 2006.

4- هل نسير إلى الهاوية، إدغار موران، ترجمة عبد الرحيم حزل، أفريقيا الشرق، المغرب، 2012.

5- الكتاب المقدس، العهد الجديد، الرِّسالة الأولى للرسول بولس إلى أهل
كورنثوس، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الإصدار الرابع، ط30، 1993.

6- ديوان ترجمان الأشواق، الشيخ الإمام محيي الدين بن علي ابن العربي، اعتنى
به عبد الرحمن المصطاوي، دار المعرفة، بيروت، لبنان، ط1، 2005.

7- التاو: تي تشينغ: انجيل الحكمة التاوية في الصين، لاو تسو، ترجمة فراس
السواح، دار علاء الدين للنشر والتوزيع والترجمة، دمشق، سورية، ط1، 1998.

8- كلستان: روضة الورد، سعدي الشيرازي، ترجمة محمد الفراتي، منشورات وزارة الثقافة السورية، دمشق، سورية، 2012.

9- الحكمة القديمة والعالم الحديث، الدلاي لاما، ترجمة راغدة خوري، دال للنشر والتوزيع، دمشق، سورية، 2015.

10- الذاكرة، التاريخ، النسيان، بول ريكور، ترجمة جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، لبنان، 2009.

11- الهندي المولع بالحجاج: كتابات عن تاريخ الهند وثقافتها وهويتها، آمارتيا
سنْ، ترجمة فاضل جنكر، هيئة البحرين للثقافة والآثار، ط1، 2018.

12- الهجرة إلى الإنسانية، فتحي المسكيني، دار كلمة للنشر والتوزيع، تونس، ط1، 2016.

13- الجريمة والعقاب، دوستويفسكي، ترجمة سامي الدروبي، المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 2010.

14- ثلاثة أكواب من الشاي، جريغ مورتنسون، ديفيد أوليفر ربلين، ترجمة وفاء طقوز، دار التكوين، دمشق، سورية، 2016.


في مديح المحبَّة
You are studying
في مديح المحبَّة