‎+962795617139
info@philosopherman.com
Arabic flag
Arabic
Select a Language
Arabic flag
Arabic
English flag
English
0
كتاب عربي قديم مُتماسِك لعالَم عربي حديث مُفكَّك
كتاب عربي قديم مُتماسِك لعالَم عربي حديث مُفكَّك

كتاب عربي قديم مُتماسِك لعالَم عربي حديث مُفكَّك

عن استدعاء كتاب (الملل والنِّحَل) إلى عالمنا العربي المعاصر

مركز الإنسان الفيلسوف
Written by مركز الإنسان الفيلسوف
Published on 11/04/2026
وقت الدراسة 7 Mins.

كتاب عربي قديم متماسك لعالم عربي حديث مفكك


كتاب عربي قديم مُتماسِك لعالَم عربي حديث مُفكَّك


عن استدعاء كتاب (المِلَل والنِّحَل) إلى عالمنا العربي المعاصر




معاذ بني عامر




هل ثمة أهمية لاستدعاء كتاب (المِلَل والنِّحَل)[1] للإمام الشهرستاني[2] في ظرفنا الحالي؟ بما يتجاوز إحداثية التوتر السيكولوجي[3] التي تربطنا، في كثير من الأحيان، بجزء كبير من تراثنا المعرفي القديم.



أو بلغة أخرى، لا سيما إذا تجاوزنا عن صيغة نعم أو لا للسؤال أعلاه، بأيّ صيغة يمكن أنْ يُستدعَى كتاب (المِلَل والنِّحَل) للإمام الشهرستاني، الذي كُتب قبل ألف عام تقريباً[4]؟ بأي صيغة يمكننا استدعاء هذا الكتاب القديم لعالمنا العربي الحديث؟ أو بلغة أخرى مرة ثالثة، بأي صيغة يمكننا استدعاء كتاب أرَّخ للفرق والمذاهب الإسلامية ما أثرى تجربتنا المعرفية القديمة، لعالَم عربي حديث تعصف به مذاهب وطوائف وإثنيات وفرق، طغى على كثير من مسلكياتها وتجاربها الواقعية، التحارب والتذابح، بعد أنْ تمَّ التأسيس لتلك المسلكيات العنيفة على المستوى الذهني، ما جعلها ترسخ رسوخاً ثابتاً وقوياً ومُستحكمَاً، في عقول تابعيها، إلى حدِّ الاستغلاق.



صيغتان، كما أُقدِّر مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام أي صيغ أخرى تُثري النقاش وتُعزِّز مكانته في المجال العام، يمكن بموجبهما استدعاء كتاب (المِلَل والنِّحَل)، تحديداً الجزء المُـتعلق منه بالتأريخ للفرق والمذاهب الإسلامية المُختلفة والمتنوعة، وليس للكتاب ككل[5]، فهذا مقام آخر، ويحتاج إلى مقالات أخرى.



الصيغة الأولى: إيجابية. فقد شكَّل كتابه علامة فارقة في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية، لناحية الثراء المعرفي الذي انطوى عليه الكتاب، إذ لم يؤرِّخ فيه لعددٍ كبير من المذاهب والطوائف والنِّحَل التي كانت منتشرة في العالم الإسلامي يومذاك فحسب، بل والأُطر العقلية التي تقوم عليها تلك الفِرق والمذاهب أيضاً. منها ما هو معروف لنا أو على الأقل يتم تداوله بسهولة في العالَم العربي، كالخوارج (أول من خرج على علي بن أبي طالب ممن كان معه في حرب صفين) والمرجئة (كانوا يؤخرون العمل عن النية والعقد، وكانوا يقولون لا يضر مع الإيمان معصية) والباطنية (الذين قالوا بأن لكل ظاهر باطناً) والإمامية (الذين قالوا بإمامة علي بن أبي طالب)...إلخ. وبعضها الآخر غير معروف بشكل واضح، إلا من قبل أهل الاختصاص على الأغلب، كاليونسية (أصحاب يونس النميري، الذين زعموا أن الإيمان هو المعرفة بالله والخضوع له وترك الاستكبار والمحبة بالقلب) والثوبانية (أصحاب أبي ثوبان المرجئ، الذين زعموا أن الإيمان هو المعرفة والإقرار بالله وبرسله، وبكل ما لا يجوز في العقل أن يفعله)...إلخ. فالكتاب، وإن كُتب في فترة متأخرة من تاريخ الحضارة العربية الإسلامية (تقريبا سنة 1125م – القرن 5هـ) أي في الفترة التي بدأت تظهر فيها علامات تدل أن هذه الحضارة في طريقها إلى التفكُّك والانهيار؛ إلا أنه كتاب يدل على حجم الثراء المعرفي الذي نشأ في القرون الخمسة الماضية على هامش الدِّين الإسلامي، إذ عاش العقل الإسلامي حالة فريدة في تمثُّل مُراد الدِّين، ليس في عالم الماديات فحسب، بل وفي عالَم المعقولات أيضاً، فنشأ نقاش ثري وقوي وهائل داخل الحاضنة العربية الإسلامية، ما دعا الإمام الشهرستاني إلى استشعار جزء من حالة الثراء المعرفي هذه، والعمل على تأريخ جانب من جوانبها في كتابه المذكور أعلاه. وإذا كان لنا أن نستدعيه استدعاء إيجابياً، في الصيغة الأولى من صيغتي استدعائه، فلاستحضار ما كُنَّا عليه من قوة معرفياً في يوم من الأيام، والإمكان الذي تستبطنه تلك القوة لناحية العودة مرة أخرى، إذا ما أعدنا المعرفة إلى واجهة اهتماماتنا الحياتية، مع اقتران هذه الإعادة بإرادة قوية وصلبة، عبر حزمة من الإجراءات الحازمة، تعمل على تجذير المعرفة كقوة مركزية رافعة للفرد والمجتمع معاً على المستوى الحضاري، وعدم الاكتفاء بوجودها في سُلَّم الأولويات السياسية، أو التعامل معها كشيء زائد عن حاجة المجتمع، ولا ضرورة له على الإطلاق، كما هو الأمر، بشكلٍ عام، في وقتنا الحالي.



الصيغة الثانية: سلبية، إذ أثرَّت حركة التأريخ للمذاهب والطوائف والفِرق التي انتشرت في العالَم الإسلامي القديم، تأثيراً سلبياً على الوَرَثَة الذين ورثوا تلك التَّرِكَة المعرفية الكبيرة، ولم يستطيعوا حملها كما يجب، أو استيعاب سياقاتها كجزء من ثقافة (الاختلاف) المعرفي الذي سيتجلَّى، بلا شك، ثراءً إبداعياً في الاجتماع السياسي. فعقول الوَرَثَة القاصرة لم تسعفهم في فهم هكذا اختلافات، بل تمَّ فرزها وتبويبها كحالاتٍ لـ (خلافاتٍ) دينية، ما أدَّى إلى توترات كبيرة، راح ضحيتها أناس كُثُر، في العراق وسوريا ولبنان واليمن...إلخ، وأهدرت على إثرها حيوات، مادية ومعنوية، لا حصر لها، ما أحال الأمة العربية كاملة إلى مجموعة من القِطَع الصغيرة، المُفكَّكة، والتي تُنذر بالموت والفَناء، إنْ بقي الوضع على ما هو عليه من تحارب واقتتال على المستوى الدَّاخلي. فالوَرَثَة إذ تنكَّروا لما كان عليه العقل العربي الإسلامي من قوة، فقد تحوَّلوا إلى ضعفاء العقول، ما أثَّرَ سلباً على مكانتهم السيكولوجية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية والعلمية والأدبية والفلسفية والنقدية، أو بالأحرى على مكانتهم الحضارية. إذ لم يعد انشغالهم الرئيسي منصباً على تجديد عقولهم بشكلٍ دائم ومستمر، والحضارة أساساً لا تقوم على (كمّ/ نوع) هائل من الإبداع في مختلف ضروب الوجود، من صُغرياته إلى كُبرياته. فأكبر همهم الآن هو تصفية بعضهم البعض، جسدياً أو معنوياً، انطلاقاً من بُعْدٍ طائفي أو إثني ضيق، كان قد عزَّز خلافاته على مدار سنين طويلة، إلى أن انفجر مرة واحدة، وفي وجه الكل هذه المرة. فالبيئة العربية لم تعد حاضنة لـ (الاختلافات) المعرفية المُثمرة كما كانت سابقاً، ما قادها في يوم من الأيام إلى العَظَمة الحضارية؛ بقدر ما تحوَّلت، في زماننا الحاضر، إلى بؤرٍ خصبة لإنتاج (الخِلافات) الهُوياتيَّة الضيقة، وتعزيز مسلكياتها المُدمِّرة وحماية أدواتها وتمجيد معتنقيها، وفوق هذا تبرير مسلكياتهم الكارثية.



إذاً، صيغتان (واحدة إيجابية وأخرى سلبية) يمكن أن نستدعي بموجبها كتاب (المِلَل والنِّحَل) للإمام الشهرستاني، لكن مع صيغتي الاستدعاء، ثمة إدانة لنا جميعاً في العالَم العربي من ناحيتين:



الأولى: تقصيرنا الكبير والمُهين في تنشيط عقولنا وتفعيل سياقاتها المعرفية في مختلف المجالات والتخصصات، بما يخدم ويُعزِّز مسلكية الإبداعات المتنوعة والمتعددة في الاجتماع السياسي. وهذا التقصير لا يشمل وجود حواضن جمعية كافية لتجلية نشاطات العقل ومظهرة إبداعاته فحسب، بل يشمل أيضاً التقصير في إنتاج كتب ونصوص نسقية، وبمستويات متقدمة على مستوى البناء شكلاً ومضموناً: شكلاً من خلال بناء نسق معرفي مُتصِّل ومتسلسل، ولا ينطوي على ثغرات قاتلة، من ناحية منطقية؛ ومضموناً من خلال إشباع المسألة المطروحة بحثاً ودراسة، إلى الحدِّ الذي يستنزف قدرات المرء المعرفية ويستهلك مادتها حتى حدود قصوى. أما أن ننتج مواداً ونصوصاً وكتباً مكتوبة على وجه السرعة، وبما لا يُحقِّق وجود العقل الفاعل والناشط حتى حود قصوى، فذلك (مظهر/ جوهر) من (مظاهر/ جواهر) الانحطاط الحضاري.



الثانية: تركيزنا السلبي والمميت على (خِلافاتنا) المُدمِّرة، أكثر من تركيزنا الإيجابي والحيوي على (اختلافاتنا) المُثمرة. والتأكيد على أننا كذلك المرة تلو الأخرى، أي التأكيد على أننا على خُلافات مدمرة أكثر من كوننا بإزاء اختلافات مُثمرة، والتعامل مع هذا على أنه قَدَر نهائي وأخير. وهو ما يُبقينا في حالةٍ من الضَنَك المعرفي على المستوى العقلي، والعنف المميت على المستوى الواقعي.



لكن هذه الإدانة المزدوجة (ما يشمل التقصير في إنتاج المعرفة والتركيز السلبي) يمكن تداركها، وذلك بجعل كتاب (المِلَل والنِّحَل) للإمام الشهرستاني كتاباً مرجعياً من مراجع تكوين الإنسان العربي معرفياً، ليس لأنه كتاب عربي قديم، أو يُشكِّل جزءاً من هُويتنا المعرفية فحسب؛ بل لأنه، أيضاً، يضع الإنسان العربي الحديث، أو يُساهم في وضعه بداية الطَّريق، التي تقول له بصراحة ووضوح: لستَ وحدكَ في هذا العالَم، بل ثمة شركاء لك في هذا المعمار العقلي الكبير، الذي لا يمكن له أن يُرمَّم من جديد، فيتماسك مبنىً ومعنىً، إلا بتضافر جهود الكل؛ خُلاصاتهم المعرفية بالأحرى، بما هي تجلّ حقيقي لاختلاف عقولهم، وإثراء متميز لهذا الاختلاف في الاجتماع السياسي، ساعة ينتقل من عالَم المعقولات إلى عالَم الماديات.



الهوامش:

[1]: أبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، المِلَل والنِّحَل، صحَّحه وعلَّق عليه أحمد فهمي محمد، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط2، 1992.

[2]: الإمام الشهرستاني هو: محمد بن عبد الكريم بن أحمد، أبو الفتح الشهرستاني، من فلاسفة الإسلام. كان إماماً في علم الكلام وأديان الأمم ومذاهب الفلاسفة. يلقب بالأفضل. ولد في شهرستان (بين نيسابور وخوارزم) انتقل إلى بغداد سنة 510هـ، فأقام ثلاث سنين، وعاد إلى بلده، وتوفي بها. قال ياقوت في وصفه: الفيلسوف المتكلم، صاحب التصانيف، كانو افر الفضل، كامل العقل، ولولا تخبطه في الاعتقاد ومبالغته في نصرة مذاهب الفلاسفة والذب عنهم لكان هو الإمام. من كتبه (الملل والنحل) و(نهاية الإقدام في علم الكلام) و(الإرشاد في عقائد العباد) و(تلخيص الأقسام لمذاهب الأنام) و(مصارعات الفلاسفة) و(تاريخ الحكماء)...إلخ.

[3]: بسبب طغيان نمط من أنماط علاقتنا بتراثنا المعرفي، لا سيما التراث المُتعالق مع النص الدِّيني ومُلحقاته، ومدى القداسة التي حظي بها النص في المخيال الدِّيني، فقد أصبحت علاقتنا بهذا التراث علاقة سيكولوجية أكثر منها علاقة إبيستمولوجية، فالأولى أن يتم الاستدعاء بعيداً عن أي استحقاقات وجدانية من شأنها وضع عقبات مبدئية أمام أي عملية نقدية لهذا التراث، لكن الحاصل، في أغلب الأحيان، هو وضع نتائج ذلك التراث كخُلاصات معرفية ينبغي عدم الخروج عليها، حتَّى قبل فحص المقدمات التي انبنت عليها تلك النتائج. ما يحول بيننا وبين العلاقة المعرفية التي تربطنا بذلك التراث، فهي علاقة ملتبسة بالحالة الوجدانية للمؤمنين بذلك التراث إيماناً هُوياتياً أكثر منه إيماناً معرفياً.

[4]: ولد الإمام أبو الفتح الشهرستاني سنة 479هـ/ 1076م، وتوفي سنة 548هـ/ 1153م. وهي فترة قلقة من تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، إذ كانت قد بدأت عوامل الأفول والتفكك والانهيار تظهر عليها. ويعتبر كتابه (الملل والنِّحل) وكتاب (فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الإتصال) لابن رشد، وكتاب (تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق) لابن مسكويه، و(مقدمة) ابن خلدون، من الأهم الكتب العظيمة التي كتبت في الفترة الأخيرة من عُمر الحضارة العربية الإسلامية.

[5]: كان الإمام الشهرستاني قد خصَّص المجلد الأول من كتابه الكبير (المِلَل والنِّحَل) للحديث عن الفرق والمذاهب الإسلامية، أم المجلد الثاني فقد تناول الحديث فيه عن: 1- أهل الكتاب مثل اليهود والنصارى. و2- من لهم شُبهة كتاب مثل المجوس والثنوية. و3- أهل الأهواء والنحل مثل الصابئة وأصحاب الروحانيات. و4- أصحاب الهياكل والأشخاص. و5- الفلاسفة، لا سيما فلاسفة اليونان. وفي المجلد الثالث تحدَّث عن: 1- الفلاسفة مرة أخرى، لكن فلاسفة الإسلام هذه المرة. و2- آراء العرب قبل الإسلام. و3- آراء الهند كأصحاب التناسخ والروحانيات وعبدة الكواكب وعبدة الأصنام وحكماء الهند.




كتاب عربي قديم مُتماسِك لعالَم عربي حديث مُفكَّك
You are studying
كتاب عربي قديم مُتماسِك لعالَم عربي حديث مُفكَّك