‎+962795617139
info@philosopherman.com
Arabic flag
Arabic
Select a Language
Arabic flag
Arabic
English flag
English
0
مآزق الفعل الثقافي العربي
مآزق الفعل الثقافي العربي

مآزق الفعل الثقافي العربي

عن ترجمة كتاب (تأريخ يوحنا النيقي)

معاذ بني عامر
Written by معاذ بني عامر
Published on 14/05/2026
وقت الدراسة 12 Mins.

أخطاء الترجمة في كتاب (تأريخ يوحنا النيقي)

مآزق الفعل الثقافي في العالَم العربي

عن ترجمة كتاب (تأريخ يوحنا النيقي)

 

معاذ بني عامر

 

تقديم:

بعد ما يزيد على الألف عام من علاقة العالَم العربي بالعالَم الغربي، ثمة وفاء متين[1] لسردية الكراهيـة التي اشتُغِل على متونها لأزمان طويلة، وعبر أجيال عديدة، ما أفضى إلى إحداث شرخ بنيوي، فَصَلَ العالمين الغربي والعربي عن بعضهما البعض، بنهرٍ من الدماء، وما زالت تداعيات هذا الشَّرخ القاسي والمؤذي فاعلة في مجتمعاتنا ومجتمعاتهم حتى هذه اللحظة، بل تعمقت في القرنين الأخيرين، ووصلت مراحل بالغة الخطورة والأذى في السنوات الأخيرة، إذ فاض نهر الدم عن آخره، وأغرق الجميع. إنَّ بعض المفاهيم مثل: "الإسلاموفوبيا"/ "الاستعمار"/ "الحروب الصليبية"/ "الإرهاب الإسلامي"/ "الاستشراق"...الخ؛ لا تحضر بقوة طاغية في هذه الأيام فحسب، بل وتفعل أفعالها المؤذية في عقول وقلوب الغالبية العظمى من الناس في العالمين الغربي والعربي. ولم يكن لهكذا مفاهيم[2] وغيرها، أن تُؤتي أُكلها لولا ترسيخ وجودها الثابت والقوي في أذهان الناس أولاً، عبر تكرار مفاهيميها ومعانيها وسياقاتها، المرة تلو الأخرى، ولأجيال عديدة، ما جعل من حضورها في الواقع المعيش ثانياً، من باب تحصيل الحاص. فعلى مدار قرون طويلة، ابتداءً من الحروب الصليبية وبداية النزاع الكبير بين العرب والغرب، على أحقيَّة الاستيلاء على تَرِكَة الأمـاكن المُقدَّسة[3]، واندماج هذه الأحقيَّة بجُمْلَةٍ من المصالح النفسية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية والآيديولوجية والعقدية[4]؛ كانت تلك المفاهيم قد تَمَكَّنَت تلك من العقول وأحكمت السيطرة على جزء كبير من آليات تفكيرها بذاتها أو بالآخر. فالعقل العالِم، بما هو مُنتج تلك المفاهيم من ناحية، ومشرعن لها من ناحية ثانية، فهو المسؤول المسؤولية الأولى والأهم عن الكوارث اللاحقة التي نتجت عنها. صحيح أن السُّلطة السياسية وظفتها توظيفاً ذرائعياً، لكن كخطوة لاحقة، لعملية التنظيم التي أسَّس لها العقل العالِم. فالذِّي أنتجَ سردية الكراهية، بمجمل مصطلحاتها ومفاهيمها ومشروعيتها، وسياقاتها المعرفية، ومنحها، فوق ذلك، حمولات سلبية، هو العقل العالِم، ما جعله مسؤولاً مسؤولية: 1- معرفية. 2- أخلاقية. 3- حضارية، عن مآلات هذه السردية، وتأثيراتها الكارثية على أجيال لا حصر لها، في العالمين العربي والغربي. مسؤولية معرفية، لأنها ضمَّن مقاربته المعرفية، أو أحالها، نهاية المطاف، إلى رؤية دينية مُطْلَقة، ترى في ذاتها صواباً كاملاً، لذا من حقها إرشاد غيرها، ومنحه بركاتها. ومسؤولية أخلاقية، لأنه رأى فيما يؤمن ويتبنَّى أكثر ثباتاً من ناحية إنسانية، ما يجعله يستهتر بحيوات وأرواح بكل من هم سواه. ومسؤولية حضارية لإخفاقه في الاشتغال على متون تُعزِّز ثقافة الاختلافات المثمرة، بما يفضي إلى الوئام بين بني البشر، وانحيازه، منذ البداية، لثقافة الخِلافات المدمرة، بما يفضي إلى الحروب والمآسي. وعليه، كخاتمةٍ لهذا التقديم، فقد حاول العقل العالِم أنْ يقترب، وقد حدث هذا فعلاً على أرض الواقع، من مَنْطِقَةِ [من المكان الجغرافي] الآخر، انطلاقاً من مَنْطِقِهِ [من معارفه]. أي أنه عندما اقترب من الآخر على المستوى الجغرافي، كان قد ابتعدَ عنه كثيراً على المستوى الذهني، ما ولَّد مقولات جاهزة وناجزة، شيطنت الآخر، وحولته إلى عدو أبدي. وإذا أمكن تصنيف هذا المنحى بالخطير، فإنَّ انتشار هذا البُعد الذهني القَبْلي، أثناء الاقتراب الجغرافي على أرض الواقع، بين الناس، على اخلاف مستوياتهم، يمكن تصنيفه بأنه الأخطر تاريخياً، في علاقة العرب بالغرب.

تأريخ يوحنا النيقي

ولكي يتم تأطير هذا التقديم، ويصبح أكثر معقولية ومقبولية، فإني سأعمل على أخذ نموذج لكي أُمثِّل على ذلك التأطير من ناحية، ولتجنُّب، من ناحية ثانية، الانزلاق فيما يُعزِّز ثقافة الكراهية السَّائدة بين بقعتين جغرافيتين واسعتين، ومنظومتين معرفيتين كبيرتين. وقد أخذت، في هذا المقام، الترجمة العربية لكتاب (تأريخ يوحنا النيقي) لـ يوحنا النيقي، أحد أقطاب الحركة الدينية القبطية في مصر إبَّان الغزو الإسلامي لها في عهد عمرو بن العاص. والكتاب المذكور كتاب ترجم للغة العربية عن اللغة الانجليزية The history of John of Nicene، والترجمة الصادرة في طبعتها الأولى عن المركز الأكاديمي للأبحاث في كندا والعراق سنة 2017، من إنجاز "جاسم صكبان علي". والكتاب بالأصل مترجم للانجليزية عن نص أثيوبي.

الكتاب باللغة الانجليزية هو:

The history of John the Nicene، أي (تاريخ يوحنا النيقي). لكن عنواناً إضافياً أُلحِقَ بغلاف الطبعة العربية، فصار عنوان الكتاب كاملاً كالتالي:

(تأريخ يوحنا النيقي: الإسلام المبكر برواية قبطية)[5]

السؤال: هل إضافة عبارة: "الإسلام المبكر برواية قبطية" إلى العنوان الرئيسي للكتاب: (تأريخ يوحنا النيقي)، تخدم غرضية فعل الترجمة بصفتها غرضية تواصلية وتثاقفية مع الآخر الذي يستخدم لغة ثانية، أم إنَّ الأمر ينطوي على بُعدٍ آخر غير مُعلن، أو غير مُصرَّح به في العلن، سواء أتمت ممارسة هذه اللامصارحة بوعي أو بدون وعي؟

للإجابة على هذا السؤال إجابة مقبولة ومتسقة، دعونا نفحص ذلك، بالعودة إلى متن الكتاب نفسه:

كان "يوحنا النيقي" قد تحدَّثَ في كتابه (تأريخ يوحنا النيقي) عن الغزو الإسلامي [الفتح الإسلامي وفقاً لما هو سائد في المجتمعات الإسلامية][6] لمصر في بضع صفحات من كتاب يبلغ عدد صفحاته ما يقارب الـ 300 صفحة. أيّ أنَّ الحديث عن الغزو الإسلامي للديار المصرية استهلك بضع صفحات فقط، من كتابٍ خُصِّصَ بالأساس لسردِ أحداثٍ تاريخيةٍ ابتداءً من بواكير خلق الربّ للعالَم –وفقاً للرواية القبطية[7]- وصولاً إلى لحظة تأليف الكتاب. فيوحنا النيقي لم يُخصِّص كتابه للحديث عن الدِّين الإسلامي -الجديد يومذاك- بصفةٍ خاصة، بما هو سردية مختلفة عن السردية التي يُدافع عنها "يوحنا النيقي"، بل جاء الحديث عن الغزو الإسلامي للديار المصرية كجزءٍ يسير وعارض من متن الكتاب، وليس العكس، كما حاولت العنونة الفرعية للترجمة العربية أن تُشير إلى ذلك؛ بما يجعل من عنوان الكتاب في ترجمته العربية عنواناً غير دقيق، بل وينطوي على خدعة معرفية، على المستوى الموضوعي. فالكاتب، أو يوحنا النيقي، لم يتحدَّث بصفته قبطياً، ولديه رؤية مكتملة للعالَم، عن الإسلام كنصٍّ معرفي مُغاير ومُختلف ليقينياته ومعتقداته الدينية المكتملة، بل كل ما تحدَّثَ عنه هو الغزو العسكري للديار المصرية، بما يجعل من مفردة (الإسلام) الواردة في صياغة العنوان الفرعي للكتاب: "الإسلام المبكر برواية قبطية"، عبارة فارغة، وغير دقيقة، ولا معنى لها في السياق. فإذا قُصِدَ بها الإسلام كنصٍّ معرفي، فهذا شيء مُناف للحقيقة الموجودة في الكتاب، فهو لا يُقارب الدِّين الإسلامي مقاربة معرفية للمقارنة بينه وبين الدين المسيحي، تحديداً في روايته القبطية. وأما إذا ما قصد بها تحديد الإسلام في مسلكيته العسكرية فذلك تجنٍّ عليه، فالبُعْد العسكري هو أحد أبعاد الدِّين الإسلامي وليس كله. إذ يكون قد أخذ جزءاً أو تفصيلاً صغيراً من هيكل كبير، وقال هذا هو الهيكل كاملاً، فالجزء قد يشير إلى الكل، لكنه لا يُعبِّر عنه بشكل كامل، ما يجعل الحُكم في الكتاب حكما فاسداً على المستوى المعرفي.

بناء على هذا، دعونا نعود إلى سؤالنا المركزي:

ما الغاية من وضع عنوان فرعي لا أصل له في الكتاب الأصلي؟ هل هو نوع من الاجتهاد المعرفي الذي يمكن أن يفضي إلى خير حضاري، بما أن الترجمة، بمعنى من المعاني التقاء حميم بين الحضارات الإنسانية، أم إنَّ الأمر غير ذلك بالمرة، فثمة ما هو مُتوارٍ ومستور خلف هذا العنوان الفرعي، أعني عنوان: "الإسلام المبكر برواية قبطية"؟

لكي تكون الإجابة منسجمة مع السياق، دعونا نقتبس اقتباساً من متن الكتاب ونعود إلى سؤالنا:

"ولذا فإنَّ قوات قائد المسلمين عمرو[8] خيمت أمام قلعة بابل وأحاطت بالقوات الرومانية التي كانت تحرس حصن بابل. ثم استسلمت الأخيرة بعد أن حصلت على وعد بأنه سوف لن يعدم أي منها بالسيف ومن جهتهم فإنهم أخذوا على عاتقهم تسليم عمرو بن العاص كل ذخائرهم الحربية، ومثل هذا الأمر أصبح مهماً. ولذا فإنه أمرهم بإخلاء القلعة، فعملوا بعد أن أخذوا كمية صغيرة من الذهب وخرجوا[9]. وبهذه الطريقة فإن حصن بابيلون في مصر كان قد احتل في اليوم الثاني بعد الاحتفال بعيد القيامة. وهكذا فإن الله عاقبهم[10] لعدم تشريفهم لافتداءات آلام سيدنا وقديسنا المسيح المنقذ الذي أعطى حياته لأولئك الذين اعتقدوا به، نعم أنه لهذا السبب جعلهم الله يولون الأدبار لهم (للمسلمين)"[11]

هل ثمة فعل مقصود في الفقرة أعلاه لتفكيك بنية الإسلام المعرفية، حتى يصبح عنوان (الإسلام المبكر برواية قبطية) عنواناً مشروعاً وسياقياً على المستوى المعرفي، أم إنَّ الأمر ينطوي على بنية أخرى، تُريد مثل هذه الترجمة، بوعي أو بدون وعي، تمريرها؟

بصيغةٍ أخرى: ما معنى أن يكون هناك عنوان فرعي لم يقله المُؤلِّف الرئيسي قبل حوالي 1400 عام تقريباً، لكنه أقحم في ترجمة عربية حديثة؟ هل هو فعل عرضي، إذ لم يعي المترجم أو دار النشر معنى أن تُكتب عبارة "الإسلام المبكر برواية قبطية" على كتاب لم يتحدَّث عن الإسلام، بشكل قاطع، من وجهة نظر معرفية؛ فمجرد وجود بضع صفحات تتحدَّث عن المسلمين وغزوهم لمصر، جعلتهم يضعون عنوانهم، آنف الذِّكر، بشكلٍ أوتوماتيكي؟ أم إنَّ إقحام هكذا نوع يمكن أن يندرج تحت الفعل القصدي الذي أنتجه العقل العالِم دون وعي منه، أي أن نِتاج العقل العالِم في هذا المقام وقع في شَرَك تراكمات غير واعية أُنتجت صورة سلبية عن الآخر على مدار قرون طويلة، وفي اللحظة الحاسمة لم يستطع هذا العقل –أعني العقل العالِم- إلا أن يُردِّد تلك الصورة ما أدخله في مأزق: 1- معرفي. 2- أخلاقي. 3- حضاري، كما أشرتُ إلى ذلك في موضع سابق من هذه المقالة؟

ابتداءً، أشيرُ إلى أن كتاب (تأريخ يوحنا النيقي) هو كتاب سردي بالدرجة الأولى، أيّ أنَّهُ يُؤرّخ للحياة من بداية الخليقة، وفقاً للرؤية المسيحية. ولربما كان أكثر كتاب يُشبهه في التُّراث العربي الإسلامي هو كتاب (البداية والنهاية) لـ "ابن كثير". لكن مسيحية "يوحنا النيقي"، أو رؤيته التي يُقارب منها العالَم، لا تعني أنَّهُ خَصَّ الإسلام بنقدٍ لاهوتي جوهري، إيمان عميق بالرؤية الأزلية الصوابية والمطلقة للدِّين إذ يقارب الوجود ككل، مقابل رؤية دينية أخرى. يوحنا النيقي لم يفعل ذلك بتاتاً في تأريخه، بل أتى حديثه عن الغزو الإسلامي للدِّيار المصرية ضمن سياق عام، وليس ضمن سياق خاص. وسيظهر في الفقرة التي اقتبستها أعلاه أثر رؤيته الدينية حينَ حمَّلَ أتباع المسيح مسؤولية غزو المسلمين لهم، وذلك بسبب ابتعادهم عن تعاليم المسيح. أي أنه يعتبر الرؤية المسيحية للعالَم رؤية خلاصية ينبغي الأخذ بها عموماً، لكن ذلك لم يدفعه لوضع هذا الرؤية في مواجهة أو مقاربة معرفية مع الرؤية الدينية الإسلامية. فهو، في الحقيقة، لا يُفرد باباً أو فصلاً لتفكيك المنظومة المعرفية التي يقوم عليها الدِّين الإسلامي، بل كل ما يفعله هو استكمال مشروعه السردي، في التأريخ للأحداث التي مر بها الناس وصولاً إلى لحظته الرَّاهنة، بما فيها غزو المسلمين للديار المصرية. وقد كان من الطبيعي، ضمن هذا السياق التأريخي والتوثيقي، أن يسرد تاريخ الديار المصرية ساعة تعرضت للغزو الإسلامي، لأنه أتى ضمن سياق شامل. أي أنَّ ذِكره للمسلمين –وليس للإسلام- أتى من باب تحصيل الحاصل، ولم يكن ثمة نية مُسبقة – حسبما يظهر في سياق الكتاب- بِخَصِّ الإسلام بنقدٍ مقصود.

ولو أخذنا فقرتين ثانتين، إضافة للفقرة السابقة، للاستزادة والتوضيح، من الكتاب، قبل وبعد حديثه عن الغزو الإسلامي، لاكتشفنا تهافت العنوان الفرعي للكتاب في ترجمته العربية. فقبل وصوله إلى الكتابة عن الغزو الإسلامي للديار المصرية، كتب "يوحنا النيقي":

"عيَّن الرومان John وقواته من المحاربين الذين ذكرناهم قبل قليل، ليحرسوا المنطقة. إلا أنَّ هؤلاء عينوا حراساً آخرين قرب صخرة مدينة Lehum لغرض حفظ الحراسة باستمرار وإعطاء معلومات إلى رئيس القوات بتحركات الأعداء. وبعد ذلك فإنهم أصبحوا قوات جاهزة من الخيّالة والجنود ورماة السهام، لقد سار هؤلاء خارجاً لمحربة المسلمين بهدف منع التقدّم الإسلامي"[12]

ثم كتب بعد ذلك:

"وأرسل عمرو قوة كبيرة من المسلمين ضد الأسكندرية. وقبضوا على Kariun  الذي يسكن خارج المدينة. وهرب Theodore وجنوده الذين كانوا في ذلك المكان وانسحبوا إلى الأسكندرية. وبدأ المسلمون بمهاجمتهم، ولكنهم لم يكونوا قادرين على التقرب من حصون المدينة، لأن أهلها بدأوا يقاتلون المسلمين بالحصى من أعالي الحصون، لذا فإن المسلمين انسحبوا بعيداً عن المدينة. وكان ساكنوا Misr على خلاف مع أولئك الساكنين في مصر السفلى. وكان نزاعهم قد تلاشى، ثم تصالحوا بعد وقت قصير. وعندما وصلت خلافاتهم للنهاية، رفع الشيطان عقيرته في مدينة أخرى غير الأسكندرية"[13]

لذا، سيكون وجود عنوان مثل عنوان "الإسلام المبكر برواية قبطية" في كتاب (تأريخ يوحنا النيقي):

1-  فعلاً عرضياً –إذا تعاملنا مع الأمر بإيجابية ونيَّة حسنة- افتقدَ إلى التفكير المُسبق والمُحْكَم، وهذا شيء يتنافى، بطبيعة الحال، مع فعل الترجمة الذي يتطلب قدراً كافياً وعالياً من الوعي المعرفي. إذ لم يكن المترجم أو دار النشر على وعي بحقيقة التناقض الواضح بين جُملة "الإسلام المبكر برواية قبطية" الواردة كعنوانٍ فرعي للكتاب في ترجمته العربية، وبين النصّ الذي كتبه "يوحنا النيقي" عن الغزو الإسلامي للديار المصرية. أي أنهما غير قادرين –أعني المُترجم ودار النشر- على اكتشاف مكامن الفرق بين الإسلام كنصٍّ معرفي لم يتعرض له "يوحنا النيقي" بالنقد، وبين الغزو الإسلامي أو الجانب العسكري من الدين الإسلامي وقتذاك، الذي سرد أحداثه "يوحنا" مجرد سرد؛ لذا كَتَبَا ما كتباه من ترجمة لعنوان الكتاب بطريقة غير واعية، ما أَخَلَّ بمصداقية فعل الترجمة أساساً.

2-  فعلاً قصدياً من جهتين:

أ‌-     القصدية الداخلية، وهي قصدية تخلط بين مفردة "الإسلام المبكر" و"الغزو الإسلامي"، أي أن ثمة قصدية في الجمع بين الإسلام والغزو، فالصيغة التي قام عليها الإسلام المُبكِّر هي صيغة الغزو العسكري، وفي هذا –إنْ تحققت هذه النوعية من القصدية- تجنٍّ على الإسلام وإجحاف بحقِّه، فالإسلام وقبل أن يُشهر سيفاً في وجه أحد، هو عبارة عن نصوص معرفية، لها ما لها وعليها ما عليها. أما اختزال تلك النصوص في جزء ناتج عن تلك النصوص، فذلك إخلال معرفي واضح، وتناقض منطقي صارخ.

ب‌- القصدية الخارجية، وهي التي ما زالت تنظر إلى الآخر بصفته مُحدِّداً لرؤيته لنا من اللحظة التواصليـة الأولـى وحتى هذه اللحظـة. فعبارة "الإسلام المبكر برواية قبطية" تنطوي على إيحاء بأنَّ الرؤيـة القبطيـة المتأخـرة للإسلام المتأخـر هي الرؤيـة المبكرة ذاتها، أي أنها رواية جاهزة وناجزة أصلاً، ولا سبيل إلى تغييرها بتاتًا مهما عملنا أو عملوا، بل لا بد لنا من تعزيز هذه القصدية، لكي نبقى على ما نحن عليه. وفي هذا، إنْ تحقَّق، إخلال بشرط التواصل الحضاري، الذي يفترض بفعل الترجمة أن يُفعّله ويُعزِّز مسلكياته، بما يُرسِّخ ثقافة الاختلاف المُثمر بين الحضارات، لا ثقافة الخِلافات المدمرة والمميتة بينها.

وفي الحالتين، أعني في حالتي القصدية الدَّاخلية والخارجية، ثمة تشويه للعلاقة بالآخر، والتعامل معه –بشكل مبدئي وحاسم، حتى من قبل أتباع العقل العالِم[14]- بصفته عدواً ينبغي التوجُّس من كل حركة تصدر عنه، بما يجعلنا أوفياء على الدوام لنسقٍ تربوي صنعنا صناعةً، قامت في جوهرها على الحَجْر المبدئي على الحيوات الإنسانية، ووضعها مباشرة في مواجهة حتمية، صادمة ومميتة في تجلية علاقتنا بالآخر. فهو العدو الدائم، المتربص، الطاعن في يقينياتنا ومسلماتنا، لذا ينبغي الحذر المتواصل منه، بما يستدعي أو يُشرعن بالأحرى لحالة الفوبيا لدى الآخر، فنحنُ إذ نكره الآخر كرهاً جذرياً، فإننا نضع أنفسنا مكانه بشكل مبدئي على مستوى الكراهية، ونبيح له كراهيتنا ووضعنا في خانة التربُّص والريبة والتوجُّس، بما يُبقينا جميعاً في دائرة الهدر الكامل. إذ لم تسعفنا عقولنا، التي نتغنَّى بمنجزاتها ليل نهار، بالانخلاع عن ثقافة الآباء الذين زرعوا كراهياتهم للآخرين[15]، لسببٍ أو لآخر، فما زلنا، للأسف، نجترُّ هذه الثقافة بشكل يومي، بل تحوَّلت إلى جزء ناظم لمسلكياتنا وحيواتنا. فثمة تنامٍ مستمر لهذه الكراهيات واستحقاقاتها المُدمرة، وكل واحد ينتظر من الآخر أن يبدأ بالخطوة الأولى[16]، لكنها صعبة المنال على المستويين السيكولوجي والتطبيقي، نظراً لانعدام التأسيس الذهني لها. فبعد قرون طويلة لم يُساهم العقل العالِم مساهمات حقيقية وجوهرية –إلا القلة- في بلورة نسق معرفي ماكن ومتين، يُعزِّز ثقافة، من جهة، الاختلاف المُثمر مع الآخر، ويضع حداً لثقافة الخِلاف المدمر معه، من جهة ثانية. فحجم الآلام الكبيرة والهائلة والقسوة المفرطة التي تنطوي عليها، تتطلب جهداً خارقاً، أظنه صعباً، لكنه ليس مستحيلاً، لا سيما إذا وصلنا إلى مرحلة نهتم فيها بكتبٍ، مثل كتاب: (الكفار: تاريخ الصراع بين عالم المسيحية وعالم الإسلام) لـ آندرو هويتكروف"، أكثر من اهتمامنا بكتب مثل كتاب: (صدام الحضارات) لـ صموئيل هنتغتون. فالأول يُعزِّز ثقافة الاختلاف المثمر مع الآخر، وإنْ لم يحدث اتفاق كامل مع أطروحاته، والثاني يُعزِّز ثقافة الخِلاف المُدمِّر مع الآخر. وبنظرة لما لقيه الكتاب الثاني من اهتمام بالغ، من أوساط مختلفة وفئات ذات اهتمامات متعددة، في حين أن الكتاب الأول، تكاد تنحصر معرفته بفئة بعينها، نجد أن الطريق للوصول إلى حالة وئام بين الشعوب، طريق وعر وشاق وطويل، لكن تنظيفه وتعبيده وتسهيل حركة المرور عليه، ليس أمراً مستحيلاً، فالعقل الذي أنجز كل المنجزات التي تغنت بها الحضارة، على مدار تاريخها، يمكنه أن ينجز رحلة الطريق هذه، من مبتداها إلى منتهاها؛ رحمة بنا وبالأجيال التي ستأتي بعدنا.



[1]  يقيناً، هذا ليس حكم قيمة نهائي، نظراً لتعارض ذلك مع ابسط قواعد الفعل المعرفي. فثمة علامات مشرقة، على جميع المستويات، بين العالمين العربي والغربي، وبرأيي أن تعزيز موجودية مثل هذه العلامات، والعمل على تعميم مسلكياتها في البيئتين العربية والغربية، سيكون له أثر بالغ الأهمية على الأجيال القادمة، لأن ما يتم زرعه الآن، على المستوى المعرفي، سينعكس تطبيقاً على الأجيال اللاحقة.

[2]  الأخطر ليس إجراء مقاربات معرفية حقيقة لهكذا مفاهيم، بل ذلك واجب أساساً، بل هو في حضورها الجاهز والناجز في عقول الناس وانعكاس ذلك على مسلكياتهم في الواقع العملي، بشكل أوتوماتيكي.

[3]  التي أخذت مرجعيتها من نصوص دينية، أو بالأحرى تمَّ تأصيلها انطلاقاً من نصوص دينية، لكي تحضر بقوةٍ وفاعلية. وهذا ما أدَّى، وما زال، إلى مذابح كبيرة ومُروّعة، راح ضحيتها أناس أبرياء، لا ناقة لهم ولا جمل، في مآلات تلك المذابح وغاياتها النهائية، اللهم، إلا الوعود التي تلقوها بالحصول على الفردوس في عالَم آخر، غير العالَم الدنيوي الذي يعيشون فيه.

[4]  يمكن العودة إلى مقالة: (الحروب الصليبية: الأسباب والأهداف) لـ مارك كاررايت Mark Cartwright، ترجمة أمين ناصر، موسوعة تاريخ العالم WORLD HISTORY ENCYCLOPEDIA، على الرَّابط التالي:

https://www.worldhistory.org/trans/ar/2-1249/

 

[5]  يوحنا النيقي، تأريخ يوحنا النيقي: الإسلام المبكر برواية قبطية، ترجمة جاسم صكبان علي، المركز الأكاديمي للأبحاث، بيروت، ط1، 2017.

[6]  يمكن إدراج مصطلحي (الفتح) من جهة، و(الغزو) من جهة ثانية، كجزءٍ لا يتجزأ من سيرورة سردية الكراهية التي تُغذِّي عقول الأتباع والمريدين، العالمين العربي والغربي. ويقيناً، أنهما بحاجة إلى مزيد من الدراسة والتفكيك، لتوضيح كيفية مساهمتها في سيرورة هذه السردية المُخيفة.

 

[7]  أي المرجعية الدينية ليوحنا النيقي.

[8]  يقصد عمرو بن العاص

[9]  للإطلَّاع على وجهة نظر إسلامية حول غزو الديار المصرية، يمكن العودة إلى كتاب (تاريخ الرسل والملوك) للطبري. يمكن العودة إلى النسخة الإلكترونية من الكتاب على المكتبة الشاملة، على الرابط التالي:

https://shamela.ws/book/9783/1997#p1

 

[10]  هذه القضية، أعني قضية إنزال غضب الله بأتباعه لأنهم ابتعدوا عن تعاليمه، أو أن غضب الله حلّ بهم لأنهم لم يمتثلوا لتعاليمه، قضية مُتشابهة في عموم العقل الديني، وهو ما أقاربه حالياً في مقام آخر. فالمُتدين أو حارس الدِّين بالأحرى، عندما يعجز عن تفسير المصائب أو الحروب أو الكوارث تفسيراً منطقياً، فإنه يلجأ إلى تحميل ذلك للأتباع، لأنه خالفوا النواميس وانتهكوا الشرائع.

[11]  يوحنا النيقي، تأريخ يوحنا النيقي: الإسلام المبكر برواية قبطية، مرجع سابق، ص 321- 322.

[12]  يوحنا النيقي، تأريخ يوحنا النيقي: الإسلام المبكر برواية قبطية، مرجع سابق، ص 309.

[13]  المرجع السابق، ص 326.

[14]  حقيقة، هذا منزع خطير، إذ يمكن تفهُّم مثل هذه المسلكيات لدى أتباع العقل الشعبي، أما لدى أتباع العقل العالِم، فتلك طامة كبرى.

مآزق الفعل الثقافي العربي
You are studying
مآزق الفعل الثقافي العربي
وقت الدراسة 12 Mins.