تدارك
الجريمة بالعقاب أو "أوديب" ضمير العالَم
معاذ بني عامر
في تداعيات واحد من أعرق وأبدع النصوص الأدبية عبر
التاريخ كلّه، كانت يد "سوفوكلوس"[1]
تخطّ فاجعة نبوءة العرَّافة التي همست لـ "أوديب"[2]
أنه سـ (يتزوج أمه) و(يقتل أباه) "ثم أخذ الفتى [يقصد أوديب] يسمع تعريضًا
بمولده فخرج يستشير الآلهة، فأوحوا إليه أنه إن عاد إلى وطنه فسيقتلُ أباه وسيتزوج
أمه"[3].
وفي اللحظة القصوى لهذه الفاجعة، سيعمل "أوديب" على فقء عينيه، كنوعٍ من
التطهُّر، ليس نتيجةً للإثم الذاتي الذي طاله فحسب، بل كنوعٍ من تطهير الإنسان على الإطلاق أيضاً.
"واحسرتاه! واحسرتاه! لقد استبان كل شيء، أيها الضوء، أيها الضوء لعلِّي أراك
الان للمرة الأخيرة، لقد أصبح الناس جميعًا يعلمون، لقد كان محظورًا عليَّ أن
أُولد لمن ولدت له وأن أحيا مع من أحيا معه، وقد قتلت من لم يكن لي أن أقتله"[4].
ثم "يدخل أويديبوس داميًا وقد فقئت عيناه"[5]،
بعد أن شاهد –إلى جانب معرفته بأنه قتل أباه- زوجته وقد خنقت نفسها "هنالك
بعث صيحة منكرة واندفع إلى الباب المغلق فيدير حديده المجوف ثم يقذف نفسه في
الحجرة، هناك نرى امرأته وقد خنقت نفسها، وكان الحبل المبرم لا يزال يدور حول
عنقها. فلا يكاد الشقي يشهد هذا المنظر حتى يدفع من فمه زئيرًا مروعًا، فيحل
العقدة التي كانت تعلقها في الهواء وتسقط المرأة البائسة على الأرض، هنالك رأينا
هولًا أي هول، نرى أويديبوس ينتزع المشابك الذهبية التي كانت قد اتخذتها زينة [يقصد
زوجته]، ثم يدفع بها في عينيه صائحًا أنه لن يرى شقاءه ولا جرائمه، ثم يتحدث إلى
عينيه قائلًا: ستظلان في الظلمة فلا تريان من كان يجب إلا ترياه، ولا تعرفان من لا
اريد أن أعرف بعد اليوم"[6]
فالإنسان الأخلاقي لا يُسقط إخفاقاته على الآخرين، ويجعل منهم حقولاً لتجاربه
الوحشية، بقدر ما يلوم نفسه بدايةً، ويحوّلها إلى مَطْهَرٍ برزخي يغتسل فيه من
أخطائه وخطاياه قبل أن يتمثّل الجنَّة الأخلاقيّة في الواقع المعيش. وكان أول شيء
فعله "أوديب" هو تحمُّل العقاب وقبوله بإرادة ذاتية، مع اعترافه بأن
المُسبِّب لآلامه هو أبولون، لكن إلزام نفسه بالعقاب كان مبادرة ذاتية، وهذا ما
جلَّاه "سوفوكلوس" في الحوار بين "أوديب" ورئيس الجوقة"
عندما شهد فظاعة ما أقدم عليه "أوديب"، ونوع العقاب الذي رضيه لنفسه.
"رئيس الجوقة (في غناء): يا للألم ذي المنظر
الفظيع أفظع ما رأيت قط، أي جنون قد صب عليك أيها الشقي؟ أيُّ إله قد انتهى
بالقضاء فيك إلى أقصاه، فصبَّ عليك من الآلام ما يتجاوز طاقة الناس؟ آه! إنك
لتَعِسٌ، لا أجد القوة على أن أدير طرفي نحوك... على أي أمر فظيع أقدمت؟ كيف وجدت
الشجاعة التي مكَّنَتْك من إطفاء عينيك؟ أي إله دفعك إلى ذلك؟
أويديبوس (مضطربا): دفعني إلى ذلك أبولون، نعم أبولون
أيها الصديق هو مصدر آلامي التي لا تُطاق، ولكن لم يفقأ عيني إلا أنا وحدي أيها
الشقي![7]
إنَّ مصدر النبوءة المُخيفة (قتل الأب + الزواج من
الأم) هي الآلهة[8]
وما تستبطنه من قدرةٍ هائلة على تبصُّر المستقبل وكشف الحُجب، لكنها نبوءة قارَّة
في أعماق النفس الإنسانية؛ النفس التي تُخفي رغبات مُحرَّمة، وحشية، قاسية، لكن،
نهاية المطاف، لا بُدَّ أن يتجلَّى ما هو مُخفي ومتواري في العَلَن، لذا تحقَّقت
النبوءة وفقاً لما أخبرت الآلهة. عند هذا الحد ينتهي دور الآلهة
"دفعني إلى ذلك أبولوم، نعم أبولون أيها الصديق هو مصدر آلامي التي لا
تطاق"[9] ويأتي
دور الإنسان "لكن لم يفقأ عيني إلا أنا وحدي أيها الشقي"[10]
بالتقادم يندمج "أوديب" في لعبة (النص -
العالَم) وشيئاً فشيئاً يقترب من لحظة التحقُّق الوجودي في النبوءة المُفجعة، وهي
نبوءة صادمة للمورثات التي اكتسبها الإنسان عبر تاريخه الطويل، فقد قرَّت في
دخيلته حُرمة: 1- زنى المحارم. 2- قتل الأب. وهذا ما سيجعل القارئ –بصفته أوديب
المتأخِّر أو أوديب المولود في المستقبل - يبدأ بالصراخ على "سوفوكلوس"
لكي يُوقِف هذا العبث بالمكوِّنات الإنسانية العميقة، ونثر محتوياتها المُحرَّمة
في العلن. إلا أن يد "سوفوكلوس" تُمْعِنُ أكثر في بلورة تلك المحتويات
المُحرَّمة وتجليَّة سياقاتها في وضح النهار، مما يدفع القارئ –أوديب المتأخّر-
إلى الصراخ والعويل هذه المرة، لإنهاء هذه المأساة المُدمّرة، لكن يد
"سوفوكلوس" تُمعن أكثر من السابق في تعميق ألم القارئ، وتُغرقه في نشوةٍ
وحشية بالتالي.
فثمة لذة غاشمة لحظة تسريد المأساة، ونقلها من إطارها الواقعي إلى إطار المُتخيَّل
الأدبي؛ ففي لحظة القراءة القصوى لهكذا نصوص، ينتصر النصّ على العالَم، أو بالأحرى
يتقدّم النصّ ليتحوّل إلى عالَمٍ بديل عن العالَم الواقعي القائم. بما يجعله
يتحكّم بمصير "أوديب" المزدوج: 1- (أوديب الحقيقي في النص). و2- (أوديب
المتأخر)، أو القارئ المُسقبلي بالأحرى. فـ "سوفوكلوس" لا يعبأ بـ أوديب
الأولي ولا أوديب المُتأخِّر، ليس لغاية العبث واستخراج القذارات البشرية وقذفها
في وجه الناس، لتذكيرهم بحقيقتهم الأصلية؛ بل لتطوير بنية الإنسان الأخلاقيَّة
بشكلٍ مبدئي، والدفع بمقولة الضمير دفعاً قوياً ناحية الأمام. فالضمير الدَّاخلي،
بما هو اللبنة الأساسية، أو إحدى اللبنات الأساسية التي يقوم عليها معمار الوجود
الإنساني، ينبغي أن تكون قوية ومتينة بشكلٍ حازم ومنذ اللحظة الأولى، فإصابتها
بالهشاشة والضعف والوهن، يعني تداعي العالَم وتهاويه، حتى مع وجود قوانين صارمة
وحازمة. فالأعماق السحيقة ساعة تنفجر محتوياتها، ولا تجد لها مقاومة حازمة ومبدئية
من قبل الضمير أو خطِّ الدفاع الأولي، فإنَّ أضرارها ستكون كارثية في الاجتماع
السياسي، حتى في حال ضبط مسلكياتها بقوة القانون.
فـ "سوفوكلوس" يُؤرّخ للحظةٍ من أعنف لحظات
الاستحقاق الإنساني في هذا الوجود. التأريخ للمواجهة الكبرى بين شبكة الصَّرف
الصحي إذ تفيض بقذاراتها من الأعماق السحيقة، وبين قدرة الإنسان على مواجهة تلك
القذارات وتنظيف تلك الشبكة بشكلٍ مبدئي وصارم، بما يليق بإنسان نظيف من الدَّاخل
والخارج. أو التأريخ للمعركة الكبرى بين الأعماق السحيقة (زنى المحارم وقتل الأب)،
وبين الذُّرى العالية (الضمير الإنساني)، إذ يتم ضبط أسفل بقعة في الوجود الإنساني
من أعلى نقطة فيه.
هذا الضبط للأعماق السحيقة سيأخذ طابعاً مأتمياً، إذ
سيعمد "سوفوكلوس" إلى فقء عيني أوديب كعقابٍ على الجريمة المزدوجة التي
أرتكبها وتمثلت بـ: 1- زواجه من أمه + 2- قتله لأبيه التي اقترفها، تماماً كما
تنبأت له الآلهة بذلك. فإنْ كانت النبوءة قد استنطقت أعماق أوديب أو أعماق الإنسان
على الإطلاق، وقذفت محتوياتها القذرة في العَلَن، وفقاً لِمَا خُطَّ –بيد قاسية
وغير رحيمة- في القَدَر. فإنَّ نص سوفوكلوس تجاوز محنة القَدَر القاسية، من خلال
الانتصار لأعلى نقطة في الوجود الإنساني المُتمثلة بالضمير، لذا عمد أوديب على فقء
عينيه، احتجاجاً على وحشية الأقدار، أو ردّ اعتبار للجانب الأخلاقي في الإنسان.
صحيح أن النفس الإنسانية تنطوي على رغبات متوحشة ونزعات قاتلة، لكنها قادرة على
تهذيب هذه النزعات وتشذيبها والحدِّ من غلوائها واندفاعاتها الوحشية. وهذا ما
جسدَّهُ "أوديب" في النصِّ الملحمي العظيم، مع ما استلزمه هذا التجسيد
من ألم قاسٍ وجسيم. ففي المستوى الأول من النص الهائل عمل "سوفوكلوس" –أحد
أبرع العقول وأكثرها إشراقاً في التاريخ- إلى سرد مأساة القذارة كما هي في الواقع،
لكنه تجاوز هذا السَّرد –لكي يُحرِّك التاريخ ويُغيّر الواقع- إلى مرحلة الرؤية،
إذ نظَّف تلك القذارة، في انتصار كبير للإرادة الإنسانية الحُرَّة على ما أودعته
الأقدار فيها من قذارات ونوازع وحشية. وتلك مهمة كبرى من مهام الأدب الرَّفيع، فهو
ينتقل –أولاً- من إطار السَّرد إلى مدار الرؤية، لكي يُعيد إنتاج –ثانياً- الواقع
من جديد، وفقاً لرؤيته التي اختطها في نصه. وهذا عين ما أبدعه
"سوفوكلوس" في نصِّه الكبير والاستثنائي، فهو لم يكتفي بالانتقال من
مرحلة السَّرد إلى مرحلة الرؤية فحسب، بل ضَمَّنَ تلك الرؤية أداة عظيمة لتصحيح
الواقع وإصلاح أعطابه التي يُمكن أن تُدمِّر الإنسان والحياة معاً.
بداية، ساورت الشكوك "أوديب" لناحية إمكانية:
1- زواجه من أمه. 2- قتله لأبيه. فكذَّب القَدَر واعتقد بخُرافة ذلك القَدَر
وقدرته على تجاوز تلك الخُرافة. لذا نسيها أو تناساها، واندمج من ثمَّ في لعبة
الحياة، لكنه نسي أن أعنف الرغبات وأكثرها حُرمةً ووحشةً تبقى مدفونة في أعماقنا
السحيقة، حتَّى ونحن ننساها أو نتناساها، ويمكن لأيِّ إثارةٍ أو شرارة صغيرة أن تُفجِّر
محتوياتها، فتخرج إلى العلن. بإزاء نسيان أدويب لرغبات لاوعيه، تطوَّر السرد
المسرحي في النصّ السوفوكلوسي، إلى حدٍّ وجد معه أنه قد تزوَّجَ أمه وقتل أباه وهو
في قمة وعيه! يا لها من سُخرية مُفجعة فضحت، بشكلٍ صارخ، رغبات أوديب العميقة، أو
بالأحرى فضحت رغباتنا العميقة، التي نُصرُّ على إنكار وجودها والتكتم حولها بشكل
مؤذٍ ومريب. لكن مما يُحسب لمدرسة التحليل النفسي[11]
أنها أتت وشمَّست رطوبة تلك العفونة المُزمنة التي تناولها سوفوكلوس في نصِّه
الخالد، إذ تحدَّثت –أعني مدرسة التحليل النفسي- عن عقدة أوديب باستفاضةٍ وتفصيل
مفيد.
في أعماق اللاوعي دُفنت رغبات أوديب المُوحشة والقاسية،
لذا كانت بحاجةٍ إلى وقتٍ كافٍ لكي تتجلَّى في الوعي. هذا الانتقال من اللاوعي
اللامنظور إلى الوعي المنظور (الانتقال الأول)، لربما لم ينطوي على
عبقرية كبيرة، إذ بقي في مرحلة السَّرد، فما هو مدفون سيخرج نهاية المطاف ويطفو
على السَّطح. الانتقالة الثانية في مدراك الوعي بلغت عبقرية سوفوكلوس ذروة
من ذرواتها القصوى عبر التاريخ كله، إذ اعتبرَ "سوفوكلوس" أن الانتقالة
الأولى من اللاوعي إلى الوعي هي بمثابة المسار الحتمي للحيوات السحيقة إذ تُريد
الخروج إلى الغلن، والتعبير عن نفسها، من ثمَّ، ولو بطريقة فجَّة وقاسية؛ لذا حدثت
الجريمة الكبيرة (الزواج من الأم + قتل الأب) دون أن يستطيع هذا الوعي أن يتداركها
ويكبح جماحها، ويحدّ من نتائجها المميتة في الوقت المناسب. فالوعي، لحظتذاك، على
درجة عالية من الهشاشة الأخلاقية، فعندما فاض الماء القذر من اللاوعي إلى الوعي
أغرق أوديب الحقيقي، وأوديب المُتخيل أو الإنسان على الإطلاق، كاملاً، وجعله
يستشعر لزوجة تلك المياه القذرة وروائحها القذرة. ومع هذا الغرق والشعور بفظاعة ما
حدث استيقظَ أوديب، يمكن أن يستيقظ الإنسان على الإطلاق، يقظةً كبرى، وأقرَّ بجريمته.
لذا تَدَارَك جريمته أو الجريمة الإنسانية بالعقاب الشديد. هذا العقاب هو
الانتقالة الثانية في مدارك الوعي، فأوديب -بما هو ناطق من جهة باسم سوفوكلوس
ومُمثل للبشرية في أرقى معانيها من جهة ثانية- قرَّر أن يتخذ خطوة جرئية في سُلَّم
ارتقائه الأخلاقي، ففقأ عينيه، بمبادرة ذاتية، كنوعٍ من العقاب على الجريمة
المزدوجة التي ارتكبها بحقِّ أبيه وأمه. وقد أتى هذا الفقء للعينين كدلالة على
اقتران الاستيقاظ الأخلاقي بالألم والعذاب، فالانسلاخ عن الإرث الصلب والقاسي والقارِّ،
من ثمَّ، في الأعماق السحيقة يتطلب مكابدة كبيرة وألماً جسيماً على مستوى الوعي.
وقد تمثّلت هذه المكابدة بعقابٍ شديد اتخذَّهُ أوديب بحقِّ نفسه لأنه أرتكب جريمته
المزدوجة، أي أن مأثرة أوديب كمنت في إقدامه على تقبُّل العقاب ذاتياً بسبب يقظة
ضميره، واستشعاره بفداحة ما أقدم عليه. فلم يسعى إلى التغطية والتورية على جريمته
ودفن رأسه في الرِّمال، والعيش رفيق الندم والأسى والضمير المُؤجَّل لبقية العُمر،
بل تقبَّل العقاب منذ اللحظة الأولى لمعرفته بفداحة الجريمة التي اقترفها. وقد أتى
هذا التقبُّل لكي يحسم أمر استدراك الخطأ ومعالجته، ويحدث نوعاً من التوازن بين
الجريمة والعقاب. وبقدر ما كانت الجريمة مُروَّعة وصادمة وكاشفة بقدر ما كان
العقاب قاسياً وشديداً وكاشفاً، فضمن مشهد ملحمي عمد أوديب إلى غرس مشابك زوجته
(أمه) في عينيه، ما أدَّى إلى فقئهما، مُنهياً بذلك حالة الإدراك البصري التي شهدت
التفاصيل المؤذية لجريمتي: 1- زنى المحارم. و2- قتل الأب. ومع تجرِّعه لهذا الدواء المُرّ، أسَّس
"أوديب" لمرحلة جديدة من البناء الأخلاقي، فالمبادرة الذَّاتية من قبل
أوديب تمثّلت بيقظة الضمير الذي اتخذَّ إجراء فورياً فيما يتعلق بالعقاب، قبل أن
يصدر ذلك عن أي جهة تُطبِّق القانون. فسوفوكلوس
أسقط عقوبة ذاتية على أوديب، وهي واحدة من أكثر العقوبات قسوة من جهة؛ ومن أكثرها
تربية وتهذيباً من جهة ثانية. قسوتها ناتج عن العُنف الدموي الذي
انطوى عليه حدث فقء العينين؛ وتربويتها ناتجة من الأساس الذي انطلق منه
أساساً؛ فهي صادرة عن ذات ضميرها يقظ وحسَّاس، ألقى باللوم على نفسه، لذا رأى أنَّ
واجبه الأخلاقي يُحتّم عليه أن (يَقْبَل/ يُقِبِل) على العقاب، بما يتلاءم مع طبيعة الجريمة
المقترفة، بما يُفضي نهاية المطاف إلى خلق حالة من التنوّر الأخلاقي.
مع لحظة فقء العينين، صار أوديب إنساناً مُطلقاً،
يُمثِّل البشرية في أرقى معانيها، ليس لناحية فقء عينيها هي الأخرى، بل لناحية
الانحياز لضميرها كانتصارٍ كبير على غرائزها الوحشية. فوعي البشرية بضميرها ويقظته
الدَّائمة ينتصر على لا وعيها تحديداً تلك اللحظة التي طوّرت فيها مقولة العقوبة
الذاتية. فالضمير ليس لحظة وعي عقلاني في وجه مدٍّ غرائزي غير عقلاني فحسب، بل هو
ذروة تلك اللحظة العقلانية أيضاً، إذ تُبرز قيمة الإنسان الكبرى في هذا العالَم،
وتمنحه فائقية متطورة في التعامل مع غرائزه وهواجسه العميقة، فهو يضبطها ابتداءً
وعلى المستوى الذاتي، قبل ولادة أي رادع خارجي. فإذا لم يتم ضبط المعمار الإنساني
من اللبنة الأولى، سيتخلخل لاحقاً بلا شك، حتى مع وجود القوانين والأنظمة
والتشريعات. وهذا ما حدث، أي تخلخل البناء، ساعة تنكرت البشرية لضميرها وأخلت
الساحة لأعماقها السحيقة أن تستفحل وتستشري في الحياة، ثم عملت، في محاولة لرأب
الصدع، على ضبطها بالشرائع والقوانين. فالقوانين –حتى وإن كانت تجسّد تطوراً عقلياً
متقدماً- عودة إلى لحظة وعي عقلاني منزوعة عن سياقاتها الأخلاقية، أو بالأحرى وعي
عقلاني غير مُحصّن أخلاقياً.
إذاً، كان أوديب تمثّلاً عبقرياً من قبل
"سوفوكلوس" للمجموع الكلي للبشرية، مع دمغ هذا المجموع بدامغ دفاعي
يُنافح فيه منافحة عظيمة عن تطوّره الإنساني وقيمه العليا. فالضمير الأوديبي إذ
ينبثق لِمَظْهَرَة العقاب، بعد أن قارف الجريمة البشعة، فإنه يبلغ الذُّرى في رحلة
الوعي البشري، فهو لا ينتصر على لا عقلانيته فحسب، بل إنه يضبط، أيضاً، اندفاعاتها
الوحشية بشكل فرداني ابتداءً، أي أنه يتجاوز حدود القانون الجمعي ويتفوق عليه، وإنْ
أتى القانون في مرتبة ثانية من مراتب تطوّر الوعي البشري. فلحظة انبثاق الضمير
تُؤسِّس للوجود الإنساني أخلاقياً، قبل أن تُؤسِّس القوانين لهذا الوجود عقلانياً.
وهذا ما سيستدركه، في وقتٍ لاحق، أكبر مُحَاكٍ لأوديب
في الأزمنة الحديثة؛ أعني راسكولنكوف بطل رواية (الجريمة والعقاب)[12] لفيدور
دوستويفسكي. فجريمة
راسكولنكوف كانت جريمة عظيمة، لكن عقابه كان أعظم. ليس لأنَّ قوة القانون هي التي
ردعته، بل لأن ضميره قد استفاق لحظة ارتكاب الجريمة، واستدرك خطأه الكبير، فذهب
طوعاً لتمثِّل العقاب.
لكن السؤال المُلحّ في هذا
المقام، هل استفادت البشرية من شخصية "أوديب" القديم في النصّ
السوفوكلوسي، أو من شخصية "أوديب" المُتأخِّر، بصفته كائناً عابراً
للذات الإنسانية، ومُجسّداً لتطوّرها الأخلاقي في أرقى معانيه؟
تبدو النزعة الأوديبية في
مقامها الأخلاقي نزعة مائعة وزلقة وسط عقلانيات مُرعبة تفرض سيطرتها وسطوتها على
عالمنا المعاصر؛ فمَنْ هو الأحمق الذي يستطيع أن يلوم نفسه ويُدين نفسه، قبل أن
يُدين الآخرين؛ مع ما تستلزمه هذه الإدانة من توازن بين الخطأ والعقوبة؟ بإزاء هذا
الالتباس بين المنزع الأخلاقي والعقلانيات المُرعبة، تمَّ ترميم الخراب الضميري
لدى الإنسانية بالقوانين. وذلك ليس مدعاة للفرح والابتهاج به كمُنجزٍ بشري
مُتطوِّر[13]،
بل ذلك إيذان بانهيار خطّ الدفاع الأول (الضمير) في مواجهة الموجات العاتية للرغبات
الدفينة والمكبوتة، والتعامل معه كحالةٍ رومانسية لا تليق إلا بالكائنات الرخوة،
المائعة، الطيبة. فالضمير وإن كان أقل تطوّراً من الناحية العقلانية من القانون،
إلا أنه أكثر قدرة على ضبط الغرائز الإنسانية ساعة تخرج من جرابها أول ما تخرج،
بصفته خط الدفاع الأول. فالرغبات العميقة، المُترسبة أول ما تبدأ تبدأ على المستوى
الفردي، وإذا لم يكن الفرد مُزوداً بجهاز ضبط حسَّاس ومُتطوّر، فإنَّ خطوط الدفاع
التالية ستكون أقل تأثيراً في ضبط تلك الرغبات. وهذا ما حدث سابقاً ويحدث الآن
ويمكن أن يحدث مستقبلاً، إذا لم يتم تدارك الموقف، ومنح "أوديب"
الأخلاقي، أو أوديب الأخلاقي الكامن في دواخلنا، مكانا مرموقاً في حيواتنا
الشخصية. فهو نوع من التسامي الروحي الذي يُؤشِّر على قوة إرادتنا وقدرتها على ضبط
مسلكية اندفاعاتنا غير العقلانية من اللحظة الأولى، ومنحها العقاب اللازم والملائم
والمناسب في حال تمادت وخرجت إلى العلن، ودائماً بمبادرة فردية، قبل أن تكون
إلزاماً خارجياً. أي أن يُقدَّم الضمير، بما هو خطّ الدِّفاع الأول، على القوانين،
بما هي خط دفاعٍ ثانٍ، لما لأهمية الضمير من المُساهمة الفاعلة في بناء العالَم
بناءً أخلاقياً، يؤدِّي فيه الفرد، كما المجتمعات، واجباته، قبل أن يُطالب بحقوقه.
[1] في تعريفه بسوفوكلوس كتب
الدكتور "محمد جلبو الفرحان" "واحد من ثلاثة من كبار الأدب المسرحي
التراجيدي اليوناني (وهم كل من أسخليوس وسوفوكلويس إضافة إلى يوربيديس). ولعل من
حسن الحظ أن جزءا من تراث سوفوكليس المسرحي ظل حياً خالداً... وسوفوكليس ينتمي إلى
عائلة ثرية وذات ثقافة عالية. ووالده سفلس كان يُدير مصنعاً لصناعة الأسلحة
(الدروع)، ولذلك كان عضواً ثرياً في جماعة صغيرة تُدعى الهيبيين كولونوس نسبة إلى
المنطقة الريفية التي يعيشون فيها... وتُرجح المصادر الغربية [يضيف الدكتور
الفرحان] إلى أن سوفوكليس ولد قبل سنوات معدودات من معركة الماراثون التي حدثت في
عام 490 قبل الميلاد، بين الفرس الغزاة واليونان المدافعين عن تراب وطنهم... ويحكم
ظروف عائلة سوفوكليس المزدهرة، فقد حصل سوفوكليس على تعليم وثقافة عاليين، وساعده
هذا الحال على الانتصار الفني في عام 468 قبل الميلاد، وذلك عندما فاز لأول مرة في
المسابقة في مسرح ديونسيا على أسخليوس سيد الدراما الأثينية...وتوفي سوفوكليس في
شتاء سنة 406 أو 405 بعد أن ناهز التسعين أو الحادية والتسعين... وقد شملت دراسة
الدكتور محمد جلبو الفرحان (الفلسفة والمسرح: الشاعر المسرحي اليوناني سوفوكليس ومسرحياته)،
عرضاً لمسرحيات سوفوكلوس والظروف التي أنتجتها، ومن ضمنها مسرحية أوديب ملكاً أو
أوديبوس التي عرض لها وتناولها بالتحليل والدراسة.
الفلسفة
والمسرح: الشاعر المسرحي اليوناني سوفوكليس ومسرحياته، مجلة أوراق فلسفية، عدد
نوفمبر – ديسمبر، 2016
يمكن الرجوع للدراسة على الرابط التالي:
[2] يمكن العودة إلى مسرحية
(أويديبوس ملكًا) لـ سوفوكليس، ضمن من الأدب التمثيلي اليوناني، سوفوكليس، ترجمة
طه حسين، النسخة الإلكترونية الصادرة عن مؤسسة هنداوي، مع التنويه بأن الطبعة
الأولى من هذه الترجمة صدرت عام 1939م. وحقيقة هذه واحدة من الإبداعات الفريدة لطه
حسين إذ عمد إلى ترجمة نصٍّ خالد، عبر العصور كلها، منذ أن كتبه
"سوفوكلوس" في القرن الخامس قبل الميلاد، وحتى لحظتنا الرَّاهنة. وتمَّت
الاستفادة منه من قبل أدباء ومفكرين وفنانين ومسرحيين وسينمائيين...إلخ. مثل،
أرسطو الذي ذكرها في كتابه فن الشعر واعتبرها "نموذجاً للمأساة الكاملة
الناجحة"، ومثل فيدور دوستويفسكي في روياته (الأخوة كارامازوف)، ومثل سيغموند
فرويد في حديثه عن عقدة أوديب، والروائي الفرنسي "أندريه جيد" يوم أن
أعاد صياغة مسرحية أوديب ملكاً، التي ترجمها أيضاً للعربية طه حسين. كذلك استفاد
منها في "توفيق الحكيم" في مسرحيته (الملك أوديب)، وغيرهم الكثير ممن
استفادوا من هذه المسرحية الخالدة.
للإطلَّاع
أكثر على حضور هذه المسرحية في الآداب العربية والعالمية يمكن الرجوع إلى أطروحة
(تلقي أوديب في المسرح العربي الحديث: توفيق الحكيم وعلي أحمد باكثير نموذجين) من
إعداد مريم بن هجيرة وهاجر باري، قسم اللغة والأدب العربي، كلية الآداب واللغات،
جامعة قاصدي مرباح ورقلة، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، الجزائر، 2019-
2020. على الرَّابط التالي:
https://dspace.univ-ouargla.dz/jspui/bitstream/123456789/24993/1/BEN%20HADJIRA-BARRI.pdf
[3] سوفوكليس، من الأدب
التمثيلي اليوناني، ترجمة طه حسين، النسخة الإلكترونية الصادرة عن مؤسسة هنداوي،
2018، ص 115.
[4] المرجع السابق، ص 149
[5] السابق، ص 151.
[6] المرجع السابق، ص ص 150-
151.
[7] المرجع السابق، ص ص 151-
152.
[8] أوديب في الأصل أسطورة
يونانية أعاد "سوفوكلوس" صياغتها وتأريخها في نصه (أوديب). فقد
"عاشت بوكاستا وأوديب عيشة الأزواج. عاشت الأم زوجة لابنها. عاش الابن زوجا
لأمه. هكذا شاءت الأقدار. لم يكن كل منهما يعلم حقيقة أمره. لكن الآلهة كانت تعلم
حقيقة كل منهما. عاشر أوديب الملك زوجته الملكة بوكاستا. استعذبا الحياة معا. أنجب
أوديب من زوجته بوكاستا أربعة أطفال. هكذا شاءت الأقدار: أن يكون الأطفال إخوة
لأبيهم، أن يكون الأب أخا لأطفاله. أحب أوديب أطفاله، أحب الأطفال والدهم. تمتعت
الأسرة بالسعادة والهناء. لكن الآلهة كانت لهم جميعا بالمرصاد".
عبد
المعطي شعراوي، أساطير إغريقية، الجزء الأول: أساطير البشر،الهيئة المصرية العامة
للكتاب، القاهرة، مصر، 1982، ص 239.
[9] المرجع السابق، ص 152.
[10] المرجع السابق، ص 152.
[11] التي يُعتبر "سيغموند
فرويد" رائدها، إذ بسط لها في الكثير من كتبه ودراساته، مثل: (محاضرات في
التحليل النفسي) (تفسير الأحلام) (الطوطم والحرام)...إلخ. لكن أتى من بعده جملة من
العلماء الأكفاء الذين طوروا كثيراً عليها، وتجاوزوا ما قدَّمه فرويد، أمثال
"كال غوستاف يونغ" و"جاك لاكان" و" إريك
فروم"...إلخ.
[12] في روايته الأخرى (الأخوة
كارامازوف) حضر أوديب أيضاً عند دوستويفسكي، إذ تمَّ قتل الأب كارامازوف، وحاول
الابن غير الشرغي للأب، أن يتنصل من جريمته، وذلك بإلقاء اللوم على أخيه
"إيفان" وفلفسته في الحياة.
[13] لا شكَّ أن القوانين مُنجز
عقلي كبير، فالصياغات القانونية في غاية الدِّقة لأنها لا تحتمل التأويل فتخضع
لنزوات ورغبات مُؤولها من ناحية، وقابليتها للتغيِّر الدَّائم وفقاً لتطوّر
المجتمعات من ناحية أخرى؛ شاهد على حيوية العقل وفاعليته في الحياة. لكن ذلك لا
يُلغي التوجُّه الذي تُغذيه هذه المقالة، بل يدعمها.